ذَٰلِكَ لِیَعۡلَمَ أَنِّی لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَیۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی كَیۡدَ ٱلۡخَاۤئِنِینَ٥٢
الرسم الإملائيّ
ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ
الجزء ١٢الربع ٩٦ صفحة ٢٤١
تفسيرها
ثم رجع الرسول إلى يوسف ، وأخبره بكلام النسوة ، وإقرار امرأة العزيز وشهادتها على نفسها ، فقال يوسف :﴿ ذَلِكَ﴾ أي امتناعي من الخروج ، والتثبت لظهور البراءة ، ﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ، أو ليعلم الملك أني لم أخن العزيز ، ﴿وَأَنَّ اللّهَ﴾ وليعلم أن الله ﴿لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ لا يسدده ، وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها ، وأمانة زوجها ، ثم أراد أن يتواضع لله ، ويهضم نفسه لئلا﴿يكون﴾ لها مزكيا ، وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٤٨
فقال يوسف عليه السلام : ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ لما قالت امرأة العزيز ﴿ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ بلغ ذلك يوسف فقال : ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ وكان الملك فوق العزيز .
قوله : ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ ﴾ أي : لا يصلح عمل الزناة .
قال بعضهم : فلما قال يوسف هذا قال الملك الذي تشبه بيعقوب حين فرج سقف البيت ، فأشرف عليه حين همّت به وهمّ بها ، قال : ولا حين حللت سراويلك ، أي : لم تخنه ولا حين حللت سراويلك . وقال بعضهم : إن جبريل عليه السلام قال : فما فعلت السراويل؟ قال يوسف :
﴿ وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يعني الهمّ الذي همّ بها .
كان بعض السلف يقول : إذا أذنب أنبياؤه عجّلَ لهم العقوبة في الدنيا والتنبيه والتذكير ، يريدهم التطهير . وإنما أخرنا نحن إذ لم يعجل عقوبتنا ، لعقاب الآخرة ، وليس ذلك لما هو خير لنا . بل ذلك شرّ لنا .
قال الحسن : ﴿ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ أي : الآن جاء الحق . وذكر بعضهم في قوله : ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ قال : ذكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف قال له : اذكر ما كنت هممت به ، فقال يوسف : وما أبرىء نفسي .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٤٨
﴿ ذَلِك ﴾ أَى قال يوسف طلب إِظهار ذلك ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ أَى العزيز وقد بعد ذكره لكن دل عليه قوله : ﴿ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾ أَى فى أَهله ، والباءُ ظرفية متعلقة بأَخنْه ، أَى فى مكان الغيب عن وجهه ، أَو زمان الغيب عنه ، أَو متعلق بمحذوف حال من الهاءِ أَو ضمير أُخن ، وقيل : ضمير يعلم وهاء أَخنه لله عز وجل ، والصحيح الأول ﴿ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ أَى لا ينفذه فهو زائل ، وهداية الكيد مجاز عن إِنفاذه بعلاقة اللزوم ، والتنفيذ لازم للهداية ، استعارة تبعية إِذ التنفيذ كالهداية فى وصول المطلوب ، أَو لا يهدى الخائنين بكيدهم ، فالمجاز فى الإِيقاع والهداية على حقيقتها أَو وقعت على الكيد لكونها سببا لعدم الهداية ، وإِذا عدم السبب عدم مسبه بالأَولى ، وفيه تعريض لزليخاءَ أَو راعيل لأَنها خانت العزيز ، وقد يقال ضمير يعلم للملك أَى ليعلم الملك أَنى لم أَخنه فى وزيره العزيز؛ لأَن خيانة الوزير خيانة للملك ، وفى ذلك أَيضاً تأْكيد لأَمانته ، أَى لو كنت خائِنا لم يهد الله كيدى ، وسمى ثباته كيدا للمشاكلة ، أَو استعارة ، وصاحب الفعلة السيئة لا يذكر أَصحابها بسوءٍ ولا يدعو عليهم لأَن ذلك ذكر لنفسه ودعاء على نفسه ، ولكونه تأْكيدا عقبه متواضعا بقوله :
﴿ وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِى ﴾ عن السوءِ من حيث هى هى ، بل من حيث عصمه الله إِنعاما على ﴿ وَأَما بنعمة ربك فحدث ﴾ ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارةٌ بِالسُّوءِ ﴾ فتستخدم الجوارح فىلمعصية ، تميل بالطبع إِلى الشهوات وتعرض عن الطاعت ، سواءٌ أَنفس الأَبرار وأَنفس الفجار ، لاَ يمكن دفعها فى بدءِ الأَمر ، وإِنما المعتبر ثانى الحال فيقدم إِليها من لم يفارقه التوفيق ، فيجوز أَن يكون المعنى؛ ما فى وسعى أَن أَبرىءَ نفسى عن الهم بما تشتهى ، وإِنما دفعته ببرهان ، وروى أَنه لما قال : ﴿ إٍِن الله لا يهدى ﴾ إِلخ ، أَو إِذ قال : ﴿ وما أُبرىءُ ﴾ إِلخ ، أَو إِذ قال : ﴿ لم أًخنه ﴾ قالت هى أَو جبريل : ولا حين هممت ، أَو قالت : ولا حين حللت السراويل ، وأَجاز بعضهم الصغيرة على الأَنبياءِ قبل النبوة ، وأَنت خبير بأَنه لم يصح حل السراويل ، ولا الهم إِلا الخطور بل مطلق ما بالطبع لا يدخل تحت التكيليف ، فأَجابهما بقوله : ﴿ وما أُبرىءُ نفسى ﴾ فى أَحوالها ، وليس هذا إِقرار اللهم إَلا أَن يقر لجبريل عليه السلام بالهم الطبعى الذى لا يدخل تحت التكليف ، وليس قصدا إِِليها فيكون جبريل قابله بما هو طبعى تنبيها وزيادة فى اتضاعه ﴿ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّى ﴾ ما مصدرية والاستثناءُ منقطع ، والمعنى؛ ولكن رحمة ربة هى المعتبرة أَو الصارفة عن السوءِ كقوله تعالى : ﴿ ولا هم ينقذون إِلا رحمة منا ﴾
أَو اسم واقع على النفس والاستثناء من النفس أَو من المستتر فى أَماره متصل ، أَى إِلا ما رحم ربى من النفوس ، كنفوس الملائكة والأَنبياءِ فلا تأْمر بالسوءِ ، والنفس غير عاقل فصحت له ما فهو أولى من إِيقاع ما على الأَنبياءِ لأَنهم عاقلون ، قيل : أَو ما مصدرية والمصدر ظرف أَى إِلا رحمة ربى أَى وقت رحمة ربى فإٍنها لا تأَمر بالسوءِ ، وفيه التفريغ فى الإٍثبات ، والمعنى الأَمارة بالسوءِ فى جميع الأَوقات إِلا وقت رحمة ربى ، والمراد جنس النفس لا الاستغراق فلا يدخل نفسه يوسف والأَنبياءُ مع أَن أَكثر الأَوقات تأْمر فيه أَنفسهم بالسوءِ ، وقيل الآية إِلى قوله ﴿ إِنَّ ربِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ من قول زليخاءَ وهى راعيل ، فتكون داخلة فى قوله : قالت امرأَة العزيز فيكون المعنى ذلك الاعتراف ليعلم يوسف أَنى لم أَخنه بنسبه المراودة إِليه والافتراءُ عليه فى غيبته كما نسبناها إِلبه فى حضوره ، والجمهور على أَن ذلك من كلام يوسف ، قال أَبو حيان : لا يعبد وصل كلام إِنسان بكلام إِنسان آخر كقوله تعالى : ﴿ إِن الملوك إٍذا دخلوا قرية ﴾ إٍلخ وصل بكلام بلقيس قوله : ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ وليس منه ، هذا وجه والنفس البدن والقلب ، والنفس العقل ، والنفس شىء كالعقل دعا للمعصية فالأَمارة بالسوءِ ، وإِذا امتنعت فاللوامة ، وإِذا أَمرت بالطاعة فالمطمئنة ، وإِن ربى غفور لمن استغفر من ذنبه بعينه ، أَو من ذنوبه عموماً ، ولم يقصد الإِصرار على واحد منها ذلك من كلام المرأَة خال عن الإِشكال ، وعلى أَنه من كلام يوسف غير اعتراف بأَنه هم ولا خان ، كلن جاءَ به عموماً أَو هضماً لنفسه بأَن عد الهم الذى هو ضرورى لا يدخل تحت التكليف ذنبا ، أَو أَراد غفران ذنب زليخاءَ وهى راعيل .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٤٨