سورة إبراهيم · الآية ٣٣ من ٥٢

‹ السورة السابقة
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَاۤئِبَیۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ٣٣
الرسم الإملائيّ

وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

الجزء ١٣الربع ١٠٤ صفحة ٢٥٩

تفسيرها

[سورة إبراهيم — آية 33]

﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ، وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ إن شكرتموه ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ، وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ﴾ دائمين أصلا ، (لعله) للأرض والنبات والأبدان ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يتعاقبان خلفة ، لمعاشكم وسباتكم ومعادكم.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٨٣

[سورة إبراهيم — آية 33]

قوله : ﴿ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِن الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ إنما الرزق من المطر . ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ﴾ قال مجاهد : في كل بلد فجرت . ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ دَائِبَيْنَ ﴾ أي : يجريان إلى يوم القيامة ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ يختلفان عليكم ﴿ وَءَاتَاكُم ﴾ أي : وأعطاكم ﴿ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ أي : وما لم تسألوه ، في تفسير الحسن . وليس كل ما سألوا . وبعضهم يقرأها : ﴿ مِنْ كُلٍّ ﴾ أي : من كل شيء ، ﴿ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ يقول : أعطاكم ما لم تسألوه .

قال : ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [ روى الحسن عن أبي الدرداء قال : من لم يرَ نِعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قلّ عمله وحضر عذابه ] . ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ أي : ظلوم لنفسه ، كفار بنعم ربه [ حين أشرك ] وقد أجرى عليه هذه النعم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٨٣

[سورة إبراهيم — آية 33]

﴿ اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَألأَرْضَ ﴾ الله هو الخالق لذلك وما بعده فكيف يعبد غيره ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ من السحاب ما علاك فهو سماءٌ أَو من السماءِ المقابلة للأَرض وهو بعيد ، أَو تارة من هذه ، وتارة من السحاب تكون على جبل وفى أَسف منك سحاب ماطر ، ويقال ينزر من السماءِ إِلى السحاب كما ينزل جبريل فى لحظة ، أَو ينزل الماءُ بتدريج فيظهر لنا حين أَراد اللهُ ﴿ فَأَخْرَجَ ﴾ الفاءُ للترتيب دون اتصال هنا وهى سببية أَو مصت مدة فأَخرج ، أَو الاتصال فى كل شىءٍ بحسبه فمقدار المعتاد فى الإخراج بعد الإِنزال اتصال ﴿ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ حال من قوله ﴿ رِزْقاً ﴾ رزقا هو الثمرات أَو بعض الثمرات ﴿ لَكُمْ ﴾ متعلق بأَخرج أَو نعت رزقا والرزق ما ينتفع به مطعوما أَو مشروبا أَو ملبوسا أَو غير ذلك ، والثمرات يشمل ثمرات الشجر وثمرات ما يحرث وثمرات القطن والكتان ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ ﴾ سهل لكم صنعتها والعمل بها فلا تغرق ، وهو هنا مفرد لأَن المفرد الأَصل ولقوله ﴿ لِتَجْرِىَ فَى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ﴾ ولم يقل ليجرين كما قال فى الجمع وجرين بهم ، ولو احتمل الجمع وإفراد الضمير لتأْويل الجماعة لأَن هذا خلاف الأصل ، وأَل للحقيقة فصدق بالجماعة كا فسروه بالسفن لا بالسفينة ، والفلك المفرد يذكر ويؤنث وأُنث هنا ، ووجهه أَنه فى معنى السفينة ، وقد يترجح الجمع هنا ويتقوى بالتاءِ ، لأَن المفرد فى القرآن ورد مذكرا وهو قوله تعالى : ﴿ فى الفلك المشحون ﴾ وأَمره مشيئَته تجرى بإِذن الله وتسخيره فى البحر لمصالحكم من حمل الثمار ومتاع التجر وحمل الحيوان من بلد لآخر ، وماء البحر لذلك ، ما شاءَ الله من المنافع كاللؤلؤِ وذكر الشراب بقوله : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنْهَار ﴾ للشرب والحرث ، وقد تكون فيه السفن للحمل أَيضا وتسخير أَتباعها ولولاه لم تنبع ، ولو شاءَ لجعلها أَسفل ، وقد تشمل عيون الأَبيار ، ومن تسخيرها تعليمه الناس استخراجها وإجراؤها سواقى وقنوات ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ ﴾ فى السماءِ الرابعة ﴿ وَالْقَمَرَ ﴾ فى السماءِ الدنيا ﴿ دَائِبَيْن ﴾ يجريان فى فلكهما على استمرار ، وقيل : فى أيدى وملائِكة بسلاسل من نور ، والفلاسفة يثبتون لهما حركتين؛ الحركة الأُولى اليومية من المشرق إلى المغرب الحاصلة لهما يفسر المحدد لفلكيهما ، والأُخرى الحركة الثانية وهى الحركة من توالى البروج من المغرب إلى المشرق الحاصلة بحركة فلكيهما حركة ذاتية ولا يثبتون لهما حركة فى الفلك كحركة الحوت فى الماءِ ، وقال ابن العربى : لهما حركة فى فلكيهما ، والفلك عنده مثل الماءِ والهواءِ ، والدأَب . العادة والدوام لا ينقطع جريهما لإِزالة الظلمة وإصلاح النبات والحيوان ، وإنضاج الثمار بهما ، قيل : الشمس تتضجعها والقمر يلونها ، ومعرفة الفصول بالشمس نهارا ، والشهور بالقمر لتوقيت الديون والأَشياءِ المؤَجلة والحج والصوم وغير ذلك ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلِ ﴾ للسكون والراحة ﴿ وَالنَّهَارَ ﴾ للكسب ، هذه سبع جمل صلات للذى متعاطفة والجامع بينهن بيان كمال قدرته وسعة نعمه على خلقه والدلالة على وحدانيته تعالى علما وقدرة بعشرة أَدلة ، وزاد خلق السموات وإٍنزال الماءِ بأَن بينهما جامعا خياليا ، وأَما المسند إليه فمتحد سبحانه وتعالى .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٨٣