فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَیۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَاۤ أَن یَتَرَاجَعَاۤ إِن ظَنَّاۤ أَن یُقِیمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ یُبَیِّنُهَا لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ٢٣٠
الرسم الإملائيّ
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
الجزء ٢الربع ١٤ صفحة ٣٦
تفسيرها
﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ ﴾ كان في ظنهما أنهما يقيمان حدود الله ، ولكن للظن علامات وأمارات ، فإذا كان الغالب على ظنهما أنهما يقيمان حدود الله ، فيما يجب لهما وعليهما ، وفي حال معاشرتهما بعضهما لبعض ، ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يفهمون ما بين لهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٣٧
قوله : ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ أي الثالثة ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ . ذكر بعضهم أن تميمه بنت عبيد بن وهب القرظية كانت تحت رفاعة القرظي فطلقها ثلاثاً . فخلف عليها عبد الرحمن بن الزبير ، ثم طلقها . فأتت النبي عليه السلام فسألته : هل ترجع إلى زوجها . فقال : هل غشيك؟ فقالت : ما كان ما عنده بأغنى عنه من هدبة ثوبي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا ، حتى تذوقي عسيلة غيره » فقالت : يا رسول الله ، قد غشيني ، فقال : « اللهم إن كانت كاذبة فاحرمها إياه » فأتت أبا بكر بعده فلم يرخص لها . ثم أتت عمر فلم يرخص لها .
قوله : ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا ﴾ [ أي إن أيقنا ] ﴿ أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ . قال ابن عباس والحسن : يعني المختلعة . رجع إلى قصتهما . قال : ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ . قال : هذه الآية مثل قوله في الآية الأولى : ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ .
وتفسير قول الحسن : إن أخذه الفداء تطليقة بائنة؛ يعني بقوله : ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ أي فإن خالعها؛ وهو قول العامة في الخلع .
وكان ابن عباس لا يرى الخلع طلاقاً ، يراها تحرم عليه بدون طلاق؛ ويقول : قال الله : ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ يقول : طلقها طلاقاً ، ويذكر أن النبي عليه السلام قال لثابت بن قيس : « شاطرها الصداق وطلقها » والعامة على قول الحسن : إن الفداء طلاق ويذكر عن النبي وعن عثمان بن عفان .
وبعضهم يفسّرها : ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ يعني الزوج الآخر ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ على المرأة والزوج الأول الذي طلقها ثلاثاً أن يتراجعا إن أحبا . وفي تفسيرهم : فإن طلقها ، أو مات عنها ، فلا جناح عليهما أن يتراجعا .
قال : ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٣٧
﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ ومن الطلاق الفداء خلافا لجابر بن زيد « منا » رحمه الله ، وللشافعى فى أنه فسخ ، ومختار مذهبه أنه طلاق وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى : الطلاق مرتان ، أى ، فإن طلقها بعد المرتين ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ﴾ بعد الثلاثة ﴿ حَتَّى تَنْكِحَ ﴾ تتزوج ﴿ زَوْجاً غَيْرَه ﴾ واشتراط الوطء بغيبوبة الحشفة من الحديث ، لقوله صلى الله عليه وسلم لتميمة بنت وهب ، أو عائشة بنت عبدالرحمن بن عتيك ، روايتان ، لعلهما فصتان ، أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ بكسر الراء ، ابن وهب بن عتيك ، يعنى زوجها الذى طلقها ثلاثا ، قالت : نعم . قال : لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك ، يعنى زوجها الثانى عبدالرحمن بن الزبير ، بفتح الزاى على الصحيح . وقيل بالتصغير ، وعابته بأنه ما معه إلا مثل هدبة الثوب ، فضحك صلى الله عليه وسلم . والعسيلة الجماع ، والعسل يكثر تأنيثه أو يغلب ، فردت التاء ، أو تصغير عسلة ، أى قطعة من عسل ، وإنما فسرت النكاح بالتزوج لأنه الوارد فى القرآن ، لكن لما جاء الحديث بشرط الوطء أمكن أن يراد بالنكاح فى الآية ، والحديث تقرير لها . قال صلى الله عليه وسلم : « ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : هو المحلل ، لعن الله المحلل والمحلل له » ، يعنى بالمحلل له الزوج الأول والمرأة ، وإن لم تعلم بقصد التحليل فلا إثم عليها وعن عمر ، لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتها ، وذلك بالدخول ، فلو أقرت بأنها علمت أو شهد لها بذلك لرجمها ، بل دخلت فى محلل له ، وفرق عثمان بينهما وبين من يحللها ، وحرمت على المحلل ، ولا تحل للأول أبداً ، لأن ذلك منها زنا ، إن علمت بقصد التحليل ، ولو تزوجت بعد ذلك بلا قصد تحليل ، وقد يجوز له إن تزوجت بعد لأن ذلك شبهة ، أو صحت توبتها وتزوجت ، ولم يحرمها الحنفية على المحلل ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ هذا الزوج الثانى ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ فى ﴿ أَنْ يَتَرَاجَعَآ ﴾ ترجع إلى الأول ويرجع إليها بنكماح وصداق وبنية ، وزعم شاذ من قومنا ، أنها تحل للأول بعقد ثان ولو بلا وطء وإن نكحها الثانى بقصد الحل للأول لم تحل للأول ، ولو وطئها الثانى ، وقد لعن صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ، وحرمت إجماعاً على المحلل إن ذكر التحليل فى عقد النكاح ، وإن قصده ولم يذكر حرمت عند الجمهور ، وقال أبو حنيفة يكره ، واللعن أنسب بالتحريم ، لأن اللعن يقتضى القبح لعينه ، ومعنى المحلل قاصد الحل ، لا أن الحل واقع ، فهو رد على أبى حنيفة ، وهو كثير الوقاق بينه وبيننا معاشر الإباضية الوهبية فى المسائل ، وقوله هذا موجود أيضا فى المذهب ﴿ إِن ظَنَّآ ﴾ أى رجحا وكفى ، بل لو قيل بمعنى علما وأريد قوة الرجحان لجاز ، ولا نسلم أنّ أن المصدرية للتوقع ، فضلا عن أن يقال ، ينافى العلم ، وأما أن يتكلف أنه قد يوقن بالمستقبل فتكلف ﴿ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ ﴾ فيما بينهما من الحقوق الزوجية والمقام لها ، ولو كان من الجائز أن تحمل الحدود على الحقوق الزوجية وغيرها ﴿ وَتِلكَ ﴾ الأحكام ﴿ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ وغيرهم وخصهم بالذكر ، لأنهم المنتفعون بالتبيين ، والمراد يعلمون الحق إجمالا وإذعانا ، أو بعضه ، فيزدادون علما ، والمراد يتدبرون العواقب ، أو يتصرفون فى الدلائل أو يعلمون ، فذكر السبب عن المسبب ، أو أراد الراسخين ، لأن بعض الحدود لا يعقله إلا الراسخ ، أو أخرج به الطفل والمجنون ونحوهما .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٣٧