وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَاۤ ءَاتَیۡنَٰكُم بِقُوَّةࣲ وَٱذۡكُرُوا۟ مَا فِیهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ٦٣
الرسم الإملائيّ
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
الجزء ١الربع ٤ صفحة ١٠
تفسيرها
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ قيل : إن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من التكاليف الشَّاقة حتى كبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر جبريل عليه السلام فقلع الطور ورفعه فظلَّله فوقهم ، وقال لهم موسى : إن قبلتم وإلا ألقي عليكم ، حتى قبلوا ، والله أعلم بتأويل كتابه ، ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ بجدِّ واجتهاد ومواظبة وعزيمة ، فوصَّى الله عباده بذلك ، لأن طبعهم التراخي والتثاقل عن طلب ما يجب عليهم من طلب السؤال لما يلزمهم في دين خالقهم ، وأنهم لا يبلغوه بدون القوَّة .
﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ واحفظوا ما في الكتاب من معانيه وأسراره وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه وعن التدَّبر والعمل بما فيه . ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا ، والعذاب في العقبى ، لأن ليس إلى التقوى سبيل إلاَّ بالعلم . ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به ؛ ﴿ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ من بعد القبول [ أو ] من بعد الأمر بالقوَّة بأخذ ما أتوا ، ﴿ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ بتأخير العذاب عنكم ، أو بتوفيقكم للتوبة ، ﴿ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (لعله) الرحمة وذهاب [ كَذَا ] الدنيا والآخرة المستوجبين عقوبة الدنيا ولآخرة .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٠
قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ والطور الجبل . ﴿ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُم ﴾ أي ما أعطيناكم ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أي بجِدّ . قال بعض المفسّرين : جبل كانوا بأصله . فاقتلع الجبل من أصله فأشرف عليهم به . فقال : لتأخذُنّ أمري أو لأرمينّكم به . وفي تفسير بعضهم : لأرمينّكم به فلأقتلنّكم . وقد فسّرناه قبل هذا الموضع .
قوله : ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ أي ما في الكتاب ، يعني التوراة ، أي احفظوا ما فيه [ واعملوا به ] ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي لكي تتقوا . ففعلوا .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٠
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ ﴾ وثوقكم ، كالميعاد بمعنى الوعد ، وأفرد الميثاق لأن ما أخذ على كل واحد أخذ على غيره ، فكان ميثاقاً واحدا ، والمراد عهدهم الإيمان ، بالتوراة كلها . والعمل بما فيها ، أعطيتم الميثاق على ذلك ، ثم أبيتم ، وقيل ، أخذ الميثاق قبل نزولها على أن يعملوا بما ينزل عليهم فى الكتاب ، ولما نزلت التوراة نفضوا لما فيها من الميثاق ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ﴾ حين نقضتم أو سريانى معرب ، وقيل المراد جبل المناداة ، حمل إليهم ، اقتلعه جبريل من أصله وحمله فى الهواء بينهم وبينه قدر قامة أحدهم ، وهو فرسخ فى فرسخ على قدر عسكرهم ، قيل ، والنار قدامهم ، والبحر المالح خلفهم ، فقيل لهم ، إن لم تقبلوا رضختكم به . فسجدوا للقبول على أنصاف وجوههم ، ناظرين بالعين اليمنى إليه خوفاً ، فكان أفضل سجود اليهود بعد ذلك ما كان على الشق الأيسر والنظر باليمنى إلى جهة المساء ، قائلين ﴿ خُذُوا ﴾ اقبلوا ﴿ مَآءَاتَيْنَكُمْ ﴾ وهو التوراة ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ باجتهاد ، وقيل ، لا يقدر القول هنا ، لأن الميثاق قول ، ولا دليل فى الآية لمن قال ، الاستطاعة قبل الفعل ، إذ لا يقال ، خذ هذا بقوة إلا والقوة فيه ، لأن بهذا المعنى لاننكر صحة تقدمها على الفعل ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ تعاهدوه بالمطالعة والدرس والتفهم لمعانيه والعمل به ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ عقاب الله ، أو المعاصى ، وتقدمت أوجه لعل فى كلام الله ، وقس عليها فى جميع القرآن ، وليس رفع الجبل فوقهم إجباراً على الدين ، فلا يقال ، كيف تقبل الطاعة ، لأن الإحبار ما فيه سلب الاختيار ، بل الآية كمحاربة العدو ، إن أسلم رفع عنه السيف ، وإن أخذوا زال الجبل ، وأما الإكراه فى الدين ففى مخلوق لآخر أن يحبسه حى يؤمن ، أو يمنع عنه الطعام حتى يؤمن أو نحو ذلك لا يجوز ، ولو فسر لا إكراه فى الدين بالنهى عن القتال حتى يؤمر به ، وأما الله فله فعل ما شاء ، قيل : ولا يقال : الإيمان بالإجبار يجزى فى الأمم السابقة أو بعضها فتكون منه هذه القصة ، لأن هذا مما لا تختلف الشرائع فيه ، وقد قال الله تعالى ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ الآية . ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم . . . ﴾ الآية قلت : الآيتان غير ما فى هذه الآية ، لأن هذه الآية جاءت فى القهر على الفعل ، والآيتان فيمن أغلق عنه الله باب الفعل بتوجيه الموت إليه ، ووجه آخر لا يقبل ما عن إجبار إذا استمرت الكراهة ، أما إذا كان بعده الفعل بالاختيار فيقبل كل ما باختيار ، فأخذوه بقوة ثم تركوه ، كما قال :
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أعرضتم بعدم القبول ، وأصله الإعراض بالجسد ﴿ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ العهد الذى أعطيتم وعملتم به مدة ، أو من بعد ذلك العمل المعلوم من المقام ، أو من بعد الأخذ بقوة ، إذ لم يمتثلوا ، بل استمروا على العصيان ، لم يقل ثم توليتم ، وقيل ، بعد رفع الطور فوقكم ، وإيتاء التوراة ، فطوى عن ذكر امتثالهم ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ ﴾ بتوفيقكم للتوبة ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ الخطاب باعتبار الآباء ﴿ وَرَحْمَتُهُ ﴾ لكم بالتوبة أو بقبولها قيل ، أو الخطاب للأبناء فالفضل والرحمة بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم ، لو لنفى تاليها ، وإذا زيدت لا العافية ثبت ما نفى ، هذا قول الكوفيين بتركيب لو من لولا والبصريون على أنها بسيطة ﴿ لَكُنْتُمْ مِّنَ الْخَسِرِينَ ﴾ كمن ذهب رأس ماله أو بعضه ، هذا عندى يعين الخطاب للآباء ، لأن يهود عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم خاسرون إلا ما شذ بخلاف من تقدم ، ففيهم الخاسر والرابح .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٠