سورة الأنبياء · الآية ٤ من ١١٢

‹ السورة السابقة
قَالَ رَبِّی یَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِی ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ٤
الرسم الإملائيّ

قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

الجزء ١٧الربع ١٢٩ صفحة ٣٢٢

تفسيرها

[سورة الأنبياء — آية 4]

﴿قَالَ : رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ جهرا كان أو سرا ، فضلا عما أسروا به ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فيه وعد ووعيد.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٨٧

[سورة الأنبياء — آية 4]

قال الله عزّ وجلّ للنبي عليه السلام : ﴿ قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ ﴾ يعني السّرّ ﴿ فِي السَّمَآءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ أي : لا أسمع منه ولا أعلم منه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٨٧

[سورة الأنبياء — آية 4]

﴿ لاهية ﴾ عنه حال سببية من أحدى الواوين وقوله : ﴿ قُلُوبُهم ﴾ فاعل لاهية ، وأسند اللهى الى القلوب لأنها محل رسوخ الشر ومنبعه ، يقال لهى عن الشىء بكسر الهاء يلهى بفتحها سلا عنه ، وترك ذكره ، ولو بلا نسيان ، واستماع الآيت لا ينافى الغفلة المذكروة بقوله فى غفلة ، وقوله : « لاهية » لأنها تعقب الاستماع ، أو نزل شعورهم منزلة العدم ، أو لاهية بمعنى تاركه ، ولم اقل لاهية من اللهو بالواو ، ولأن قبله يلعبون ، والتأسيس أولى ، نعم يجوز على معنى يلعبون بجوارحهم وألسنتهم ، مع رسوخ موجب اللهو فى قلوبهم ، ومعنى الإحداث أنه يحدث نزوله شيئا فشيئا وعظاً وتذكيراً ، وليس المراد بالحدوث الذى تضمنه الإحداث نفى القدم ، لأن المقام ليس لذكر حدوثه ، ونفى قدمه للمشركين ، وهو حادث لا قديم ، والله الذى لا إله إلا هو ، إلا أن الآية لم يتنزل لذلك ، ولا يصح لعاقل ، أن يقول بقدمه ، لأنه مركب حال فى ألسنتنا ، والقدم لا يحل فى الحال .

ولا يصح لمنصف أن يقول ألفاظ القرآن ترجمة للقرآن الذى هو الكلام النفسى ، لأنه مناقض لنصوص القرآن ، والأحاديث أن هذه الألفاظ هى القرآن ، ولا يصح لمن صح إيمانه أن يثبت الكلام النفسى ، لأن فيه اعتقاد أن الله ظرف ، وأن متحيز ، وحال ، وتعدد القدماء حاشاه عن ذلك ، بل نصف الله بالعلم ، وننفى عنه كل شبه بالمخلوق ، ويضعف ما قيل من أن الذكر الرسول ، ومن أنه يداله قوله عز وجل : ﴿ هل هذا ﴾ لأن قوله : ﴿ إلا استمعوه ﴾ ينافيه إلا بتأويل إلا استمعوا قوله ، أو إلا استمعوا له ، ويقال : رب غافل عن الحساب ، لاستهلاكه فى مولاه ، وإعراضه عن دنياه ، فهو يفيق برؤية المولى ، والأول إنما يفيق فى عسكر الموتى ، ومعنى رؤية المولى إحضارعظمته .

﴿ وأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ اسم مصدر وهو التناجى ، أى الإسرار بينهم ، أو اسم للكلمة المسرورة ، وعلى كل حال المعنى زادوا للإسرار إسرار ، وبالغوا فيه بكل ما أمكن ، حتى إنَّهم لا يتناجون بحضرة من يراهم أو أسروا بمعنى أظهروا ، أى أظهروا ما كانوا يخفونه كقول الفرزدق :

فلما رأى الحجاج أظهر سيفه … أسر الحرورى الذى كان أغمرا

والأصل خلاف هذا ، ويحتمل البيت معنى نطق بما فى قبله سراً ﴿ الذين ظلمُوا ﴾ بدل أو بيان من واو وأسروا المحذوفة للساكن ، أو أو فاعل أسروا ، وواو أسر حرف علامة للجمع على لغة : يتعاقبون فيكم ملائكة ، وهى لغة شهيرة لا شاذة ، أو مبتدأ أسروا النجوى ، كقوله قام أبوه زيد ، زيد مبتدأ قام أبوه خبر ، أو يقدرهم الذين ، أو يقول الذين أو أعنى الذين ، أو أذم الذين ويبعد إبداله من الناس ، أو جعله نعتا له ، وأظهر الذين ليذمهم بصلته .

﴿ هَلْ هذا إلا بشَرْ مثْلُكم أفتَأْتُون السِّحْر وأنْتُم تُبصِرونَ ﴾ مفعول لقول مقدر فى جواب سؤال ماذا قالوا فى إسرارهم لنجوى ، أو مفعول لأسروّا ، لأن فيه معنى القول أو للنجوى بمعنى النتناجى على إعمال المصدر المقرون بأل ، واسمه عمل ألفعل ، أو يقدر فقالوا : هل هذا الخ بعطف القول المقدر على أسروا ، أو يقدر قالوا بلا عاطف ، على أنه بدل من أسرّوا ، أو ذلك بدل من النجوى بلا تقدير قول ، والمعنى أسروا هذه الجمل ، والفاء فى « أفتأتون السحر » عاطفة على محذوف ، أى أتظنون عن دينكم فتأتون ، أو أتتركون دينكم فتأتون ، المافظة عندى على عدم تقديم ما بعد العاطف وهو الهمزة بتقدير الجملة أولى ، فلا تقل كابن هشام ، ألا ترى أن الحذف كثير لا تعد كثرته ، ولا تقصر على السماع إلا عند قيام المانع ، والاستفهام هنا للإنكار ، وأنتم تبصرون حال من واو تأتون مقررة الإنكار ، أى كيف تذعنون له مع أنه بشر ، والبشر لا يكون نبيا ، بل المَلَك يكونه .

ويبعد ما قيل : إنهم أسرّوا ليقولوا له صلى الله عليه وسلم : إنك كنت نبيا فخبرنا بما أسررنا ، لأنه دليل له ، ولا يناسب المبالغة بأسرُوا ، ولا ب ﴿ أفتأتون السحر ﴾ ولو ناسب قوله تعالى : ﴿ قال ربِّى يعْلَم القول فى السماء والأرضْ ﴾ إلا أنه لم يقل قال ربى يعلم السر فى السماء والأرض ، لأن القول أعمّ من السر لشموله الجهر ، ففى ذكر القول تعميم للسر والجهر ، وإيذان بأنها عنده سواء ، وأنه يعلم الأخفى أيضا كما ذكر عنهم الإخفاء فى قوله : « وأسروا النجوى » كأنه قال : قل يا محمد ربى يعلم هذا الضرب من السر ، وما هو أخفى ، وفى السماء حال من القول ، أو متعلق به ، أى يعلم ما قيل فى السماء والأرض ، والقول بمعنى المقول ، والمراد فى السماء والأرض وغيرهما ، او خصهما بالذكر للظهور ، أو المراد بالسماء والأرض جهة العلو والسفل مطلقا ، وشمل السموات والأرض ﴿ وهُو السَّميع ﴾ العليم بالأصوات ﴿ العَليمُ ﴾ بغيرها أيضاً ، ودخل فى ذلك أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم ، فهو يجازيهم عليها ، ولا يترك منها شيئا لخفائها إذ لا يخفى عنه شىء .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٨٧