لَن تَنَالُوا۟ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَیۡءࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِیمࣱ٩٢
الرسم الإملائيّ
لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
الجزء ٣الربع ٢٤ صفحة ٦٢
تفسيرها
﴿ لَن تَنَالُواْ الْبِرّ ﴾ لم تبلغوا حقيقة البر ، ولن تكونوا أبرارا ، أو لن تنالوا برَّ الله وهو ثوابه ورضاه ؛ ﴿ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ حتى تكون نفقتكم من أموالكم ومحابكم التي تحبونها وتؤثرونها . قال الواسطي ُّ : << الوصول إلى البر بإنفاق بعض المحاب ، وإلى الرب بالتخلي عن الكونين ، والحاصل أنه لا وصول إلى المطلوب إلاَّ بإحراج المحبوب >> . ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ وذلك عام فيها تبسطه اليد من خير وشر .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٨٥
قوله : ﴿ لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ قال الحسن : يعني الزكاة الواجبة . ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال : إيتاء المال على حبه أن تنفق وأنت صحيح شحيح تأمل الحياة وتخشى الفقر .
قوله : ﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ ﴾ يعني الصدقة ﴿ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ﴾ أي يحفظه لكم حتى يجازيكم به .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٨٥
﴿ لَن تَنَالُوا البِرَّ ﴾ الإحسان الكافمل الذى هو عبادة منكم ﴿ حَتَّى تُنفُِوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ أو لن تنالوا بر الله ، أى إحسانه إليكم الكامل حتى الخ ، أو لن تنالوا ثواب البر ، أى ثواب الطاعة حتى الخ ، وبه قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ، ولن تكونوا أبراراً حتى . . الخ ، والمراد الإنفاق الواجب وغير الواجب ، والإنفاق من المال إطعاماً وإشراباً وإسكاناً ، وإعارة ، وإعتاقاً ، ووفقاً من الجاه ، ينفع به الأقارب والضعفاء ، وغيرهم ، ومن البدن فى العبادات ، وخدمة العلماء ، والأولياء ، والناس فى كل ما يرجع إلى البدن ، ومن تفويت البدن كالقتال الموجود فى الحقيقة والمجاز كالصرف هنا ، لما نزلت ، قال أبو طلحة : يا رسول الله أحب أموالى إلىَّ بَيْرجاء فضعها حيث أراك الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : بخ بخ ، ذلك مال رابح أو رائح ، وإنى أرى أن تجعلها فى الأقربين ، أى أقرباء طلحة ، فقسمها أبو طلحة فى أقربائه وبنى عمه ، وفى رواية لمسلم وأبى داود : فجعلها لحسان بن ثابت وأُبى ابن كعب ، وذكر الربيع بن حبيب والبخارى ومسلم ولاترمذى والنسائى وغيرهم الحديث ، ويرجى بفتح الباء وكسرها وفتح الراء وضمها وكسرها ، والمد والقصر بستان فى لامدينة ، أو موضع فيها منه البستان ، أو موضع قرب المسجد ، أو أرض وهو فيعلى ، أو فيعلاء من البراح ، وهى المنكشفة ، أو بير مضاف لقبيلة اسمها حاء ويخ بإسكان الخاء وكسرها ، منون أو غير منون ، وبالضم مخففاً ومشدداً مدح ورضاء بالشىء وتعجب ، من أسماء الأصوات ، ورايح بالموحدة ذو ريح ، والمراد الثواب المضاعف ، وبالهمزة والمراد رائح بصاحبه إلى الجنة كما فى رواية ، وجاء زيد بن حارثة بفرس يحبها ، فقال ، هذه فى سبيل الله فحمل عليها صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد ، فقال زيد ، يا رسول الله ، إنما أردت أن أتصدق بها ، فقال صلى الله عليه وسلم إن الله قد قبلها منك ، رواه ابن المنذر ، وابن جرير مرسلا ، ويستفاد من الحديثين والآية ، أن إنفاق أحب الأموال على الأقارب أو أقرب الأقارب أفضل ، وكان ابن عمر ينفق السكر ، فقيل ، لو اشتريت طعاماً أنفقته ، فقال ، نعم ، لكن قال الله : حتى تنفقوا مما تحبون ، وأنا أحب السكر وحضرته الآية فلم يجد إلا جارية رومية ، تسمى لؤلؤة ، وكانت أحب ماله إليه فأعتقها ، وعن الحسن ، كل ما أنفق المسلم من ماله لوجه الله تعالى فداخل فى الآية ، والمراد من مطلق ما تحبون ، والمال كله محبوب ، والمشهور ما قتدم بمعنى ما تحبون أكثر من غيره وقيل ، المراد الزكاة مما لا يسترذل ، ومن أنفق من غير ما يحب نال ثوابا غير كامل ، ومن لم ينفق غير الواجب فاته ثواب الإنفاق ، أو ناله من عمل آخر ، والفقير الذى لم يجد ما ينفق ينال الثواب من غير أعماله ، وقد يكون أفضل من الإنفاق ، وقد يكون للثواب الكامل بنية من لم يجد ، ومن اللعب جعل ما مصدرية والمصدر بمعنى مفعول ، أى من حبكم ، أى محبوبكم فإنه يغنى عن ذلك جعلها اسماً واقعاً على المحبوب ، أى الذى تحبونه ، أو شىء تحبونه ﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِ ، شَىْءٍ ﴾ زيادة فى العموم ، أى مطلق مايسمى شيئاً ، ولا دلالة لشىء على خبث أوطيب إلا من حيث العموم فليجعل مع مِن نعتاً لما ، لا تمييزاً ﴿ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ أو كثيراً ، ولا يدل قوله عليم على الحث على إخفاء الصدقة ، بل على الحث على مطلق الصدقة ظاهرة أو خفية قالت اليهود له صلى الله عليه وسلم : تزعم أنك على دين إبراهيم وتأكل لحم الإبل وألبانها ، وهو لا يأكلها وأنها محرمة على آدم ومن بعده إلى وقتنا هذا أو بعده فنزل قوله تعالى :
﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاَّ لِبَنِى إِسْرَاءِيلَ ﴾ يعقوب ، أى كل المطعومات أى ما يؤكل أو يشرب ، فشمل لبن الإبل ، كقوله تعالى : فمن لم يطعمه ، والأحكام لا تطلق على الذوات ، فالمراد تناول الطعام ، وزعم بعض أنه يوصف العين بالحل ، ونسبة لائمة الأصول ، ويجوز إبقاء الطعام على معنى المصدرية ، أى كل أكل وشرب كان حلا لبنى إسرائيل ﴿ إلاَ مَا حَرَّمَ إسْرَاءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾ أى المأكول والمشروب ، أو الأكل والشرب الذى حرمه إسرائيل على نفسه ﴿ مِنْ قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾ وهو ، قيل لحوم الأنعام أو زيادتا الكبد والكليتان وشحم غير الظهر ، والمشهور ، وهو الصحيح ، أنه لحم الإبل وألبانها لحصول عرق النَّسا له بها ، فوعد ، إن شفى ، لم يأكلها ولم يشربها ، فلم يحرمها عليهم ، بل ذلك نذر منه ، وقيل : حرمها على نفسه خاصة ، فحرمها الله عليهم فى التوراة اتباعا لبنيه له ، ، وكانت أحب طعام وشراب إليه ، فتركا نذراً تقرباً إلى الله ، وزادوا فى الحرمة أشياء لم تحرم لعيهم جهالة وتشرعا ، وزاد الله عليهم حرمة أشياء لبغيهم ، قال الله تعالى : فبظلم من الذين هادوا ، وعلى الذين هادوا حرمنا ، الآيتين ، وذلك رد عليهم إذ قالوا ، إن المحرم فى التوراة محرم عَلَى من قبلهم ، لا ، بل حرم عليهم خاصة ، حكمة لبغيهم ، وقيل : حرمها على نفسه خاصة على أن الاستثناء منقطع ، أى ، ولكن ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة ، وهو حرام عليه خاصة ، والصحيح ما مر من تحريمها عليهم أيضا ، والاستثناء متصل وذكر الكلبى أنه لم يحرم سبحانه تعالى عليهم فى التوراة ، وإنما حرم عليهم بعدها بظلمهم ، وقال السدى : لم يحرم عليهم فى التوراة إلا ما حرموه قبلها ، تبعا لأبيهم ، وقيل : نذر ألا يأكلها هو لا بنوه ، وقيل : التحريم الامتناع للتدواى من عرف النَّسا بإشارة الأطباء له عليه السلام ، والنساء بالفتح ولاقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ يمر بالعرقوب حتى يبلغ القدم كلما طال زمانه زاد حتى يبلغ الركبة والكعب ، وربما امتد إلى الأصابع بحسب كثرة مادته وقلتها ، ويهزل معه القدم والفخذ ، ويحدث منه العرج ، وذكرت مداواته فى تحفه الحب ، ومنها ، قطع إليه كبش عربى ولا كبير ولا صغير ، يشرب كل يوم على الريق فطير ثلث قطعة مصلية ، قال أنس : وصفته لأكثر من مائة شفاهم الله تبارك وتعالى ، ومن متعلق بكان أو بحلا ، لجواز الاستثناء قبل ذكر ظرف ، أما قبله نحو ما قام إلا زيد اليوم ، وما جاء أحد إلا زيد على فرس بتعليق على بحاء ، ويجوز تعليقه بحرم بياناً لتقديم التحريم على نزوله التوراة مستملة على محرمات أخر ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَآ ﴾ حتى يتبين للسامعين ولكم صحة دعواهم ، أن كذا وكذا محرم ، فلا تجدون دعواكم فيها ، أو اتلوا محل دعواكم منها لا يوجد ﴿ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ فلم يأتوا بها ويقرأوها لعدم صدقهم فيما أخبروا عنها ، فإنما حرم إسرائيل لحم الإبل ولبنها نذراً ، وليس فى تحريمه ذلك دلالة على اجتهاد الأنبياء ، لأنه حرمه نذرا ، بمعنى أنه منع نفسه منها نذراً أو تطبباً بإشارة الطبيب ، وأما دعوى أن إسرائيل حرم ما حرم لأن الله أمره بتحريمها فمحتمل أيضاً ، فلا يدل على الاجتهاد ولو كان بعيداً ، إذ لم يقل إلا ما حرم الله على إسرائيل ، واحتج لمزيد فهمهم وصفاتهم ، قلنا كم عبادة تكون لنبى دون آخر ، ولأمة دون أخرى ، بل خصت هذه الأمة بالاجتهاد ، واحتجوا بقوله تعالى : فاعتبروا يا أولى الأبصار ، وقوله تعالى : لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، قلت : لا يلزم أن يكون الاستنباط والاعتبار اجتهادا ولا شاملين له ، ولأن المستنبطين أنبياء ، أو استنبطوا من الأنبياء وبقوله تعالى : عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم ، وتأتى الآية ، وزعم بعض ، أن التوراة نزلت منجمة فى ثمانى عشرة سنة ، كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم نوع من الطيبات ، وهو ضعيف ، وكأنهم أجمعوا على نزولها مرة .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٨٥