[سورة الروم — آية 36]
﴿ وإذا أذَقْنا النَّاس ﴾ المشركين ومقتضى الظاهر : واذا أذقناهم ، ووضع الظاهر موضع الضمير ، او اراد بالناس المؤمنين والمشركين ، واصل الاذاقة الاطعام القليل ، او اول الاطعام ، واستعمل فى مطلق الانعام ﴿ رحْمةً ﴾ صحة بدن ، وسعة رزق وغير ذلك ﴿ فَرحُوا بها ﴾ المشركون يفرحون بطرا او أشرا ، والمقام لذمهم بالفرح بها ، او فرحوا بنفس الرحمة ، وام المؤمن ففرحوا شكرا ، او بكونها مضافة لله الرحمن الرحيم ، ففرح محمود وطاعة .
﴿ وإنْ تُصبهُم سَيئةً ﴾ شدة ما مع انهم تسببوا لها كما قال : ﴿ بما قدَّمتْ أيديهِم ﴾ من المعاصى ﴿ إذا هُم يُقْنطُون ﴾ فاجاوا القنوط من زوالها بالطبيعة ، الا ان المؤمن لا يدوم على ذلك ، بل يعالج نفسه ، وكثير من المؤمنين لا ينالهم قنوط ما ، وقد لا يقنط المشرك ، ولا ينفعه فى الاخرة عدم قنوطه ، وعبر فى الرحمة باذا الموضوعة للبناء على التحقيق لكثرتها ، ولو تحققها ، وفى السيئة بان الموضوعية للبناء على الشك تعالى الله عند لقلتها ، ونسب الرحمة لنفسه اذ قال : ( اذقنا ) دون السيئة ، اذ لم يقل : وان اصابتهم بسيئة تليما للعبد ان يضف الى الله الخير ، ولو كان من الخير والشر منه جل وعلا ، كما قال فى سورة الفاتحة : ﴿ انعمت عليهم ﴾ ولم يقل : غير الذين غضبت عليهم ، وذكر للسيئة سببا ولم يذكر للرحمة للاشارة الى ان الرحمة فضل ، والعذاب على السيئة عدل ، والمتبادر ان القنوط بمرة .
وذكر بعض ان المضارع للاستمرار فيه ، الناس فريق اخر غير الاول وان للعهد او الجنس ، او الفريق الاول ، لكن ثبت الحكم الاول لهم فى حال تدهشم كمشاهدة الغرق ، وهذا الحكم فى حال اخر لهم ، فلا مخالفة بين قوله تعالى : ﴿ واذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين اليه ﴾ وقوله سبحانه : ( وان تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم اذا هم يقنطون ) وهذا اولى من تكلف التوفيق بين الايتين ، بان الدعاء اللسانى جار على العادة ، فلا ينافى القنوط القلبى ، فافهم روح معانى القرآن ، او المراد بيقنطون انهم يفعلون فعل القانط ، كالاهتمام بالادخار حال الغلاء ، لكن هذا فيه بعض منافرة للمفاجأة ، وفيه ان الاصل فى الشئ ابقاؤه لا تاويله بالشبه مثلا .