سورة محمد · الآية ٢٠ من ٣٨

‹ السورة السابقة
وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةࣱۖ فَإِذَاۤ أُنزِلَتۡ سُورَةࣱ مُّحۡكَمَةࣱ وَذُكِرَ فِیهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَیۡتَ ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یَنظُرُونَ إِلَیۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِیِّ عَلَیۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ٢٠
الرسم الإملائيّ

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ

الجزء ٢٦الربع ٢٠٣ صفحة ٥٠٩

تفسيرها

[سورة محمد — آية 20]

}وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴿ حرصا منهم على العلم: ﴾لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴿ أي: هلا أنزلت سورة في أمر القتال، أو غيره من علوم الديانات؛ ﴾فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴿ مثبتة لا تشابه فيها،﴾وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴿ نفاق، ﴾يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴿ كما ينظر الشاخص بصره عند (لعله) الموت جنبا ومخافة، ﴾فَأَوْلَى﴿ فويل﴾لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴿ أي: طاعة وقول معروف خير لهم، ﴾فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴿ أي: جد، ﴾فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴿ أي: قولهم فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو الإيمان بالعمل، ﴾لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21){ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٦٥

[سورة محمد — آية 20]

قوله عزّ وجلّ : ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ ﴾ أي : هلاّ ﴿ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ ﴾ والمحكمة المفروضة ﴿ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ﴾ وهي كل سورة فرض فيها القتال ، أي أُمِرَ به ﴿ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ يعني المنافقين ﴿ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ﴾ أي : خوفاً منه وكراهية للقتال . كقوله : ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴾ [ المنافقون : 4 ] .

قال : ﴿ فَأَوْلَى لَهُمْ ﴾ وهذا وعيد من الله لهم : ثم انقطع الكلام . ثم قال : ﴿ طَاعَةٌ ﴾ أي : طاعة لله ورسوله ﴿ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ أي : خير لهم مما هم عليه من النفاق .

قال : ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ ﴾ أي : بالجهاد في سبيل الله ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا الله ﴾ فكان عزمهم في الجهاد صدقاً ﴿ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ﴾ يعني به المنافقين .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٦٥

[سورة محمد — آية 20]

﴿ ويقُول الذين آمنُوا ﴾ فى اخلاص وصدق ، روغبة فى ثواب الجهاد ﴿ لولا نُزِّلتْ ﴾ صورة تحضيض على الانزال ﴿ سُورةٌ ﴾ يؤمر فيها بالجهاد ، ولا حاجة الى جعل لو شرطا ولا زائدا ، وتقدير جواب أى لظلمنا ولا دليل على ذلك ، واذا كان لداعى اليه أن الله عز وجل لا يناله تحضيض ، فقد علمت أن ذلك لفظه لا حقيقته ، وانما المراد الطلب برغبة شديدة ﴿ فاذا أنْزلَت سُورةٌ مُحْكمةٌ ﴾ الاشكال فى معناها أو لا تنسخ ، ولا قتال فى القرآن منسوخ ، وقيل : محكمة بالحلال والحرام ﴿ وذُكِر فيها القتال ﴾ على طريق الايجاب ﴿ رأيت الَّذين فى قُلوبِهِم ﴾ هم غير الذي آمنو المذكورين ، وانما هم المنافقون ﴿ مَرضٌ ﴾ اعتاد شرك شبيه بالمرض ، وهم المنافقون باضمار الشرك ، فامؤمنون يحبون الجهاد ، والمنافقون يكرهونه ، وهو أشد القرآن عليهم .

ويجوز أن يراد بالذين آمنوا الذين آمنوا فى الظاهر ، وأشركوا فى الباطن ، وهم المنافقون الذين فى قلوبهم مرض ، فمقتضى الظاهر رأيتهم بالاضمار ، ولكن أظهر ليصفهم بمرض القلب ، وقيل الذين آمنوا فى اخلاص وصدق ، والذين فى قلوبهم مرض من ضعف ايمانهم فيجوز أن نراد به الذين آمنوا فأظهر لما مر ، ولو أريد بالذين آمنوا المخلصون وأنهم الموصوفون بالمرض حادثا فيهم ، كما قيل : لقيل رأيتهم ، وقد مرضت قلوبهم ينظرون الخ .

﴿ ينْظُرون إليك نَظر المْشى عليْه من المَوت ﴾ عليه نائب فاعل اسم المفعول ، وهو المغشى ، أصله مغشوى ، مثل مضروب ، قلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء ، والضمة كسرة ، ومن للتعليل ، والغشاوة ما يغشى العقل من ضعف الحادث ، والمراد نظر الذى حضره الموت ، لا ينقل بصره الى موضى آخر ، وذلك لجبنهم أو شدة عداوتهم له صلى الله عليه وسلم ، أو الخوف ان يظهر نفاقه للناس ان لم يحضروا القتال ﴿ فأولى لَهم * طاعةٌ وقَولٌ مَعروفٌ ﴾ أولى اسم تفضيل بمعنى أحسن ، ولهم متعلق به ، وخبره طاعة ، أو طاعة مبتدأ أو لو نكرة لعطف النكرة الموصوفة عليه ، وأولى خبر ، أى أولى من النظر اليك طاعة الخ ، أو المعنى العقاب أحق بهم فحذف المبتدأ ، ويجوز أن يكون من باب قوله تعالى : ﴿ أولى لك فأولى ﴾ الخ من الولى باسكان اللام ، بمعنى القرب ، وهو اسم تفضيل يستعمل فى معنى قرب الهلاك ، فيكون صفة لمصدر محذوف ، أقيمت مقامه ، ولهم متعلق به يقال : أولى له قاربه ما يهلكه .

وقيل : هو فعل من هذا المعنى ، وفيه ضمير الهلاك ، وقيل ضمير الله ، واللام صلة فى المفعول به ، أى أولاهم الله العذاب ، أو ما يكرهون ، أو غير صلة أى أدنى الله الهلاك لهم ، وقيل اسم فعل بمعنى وليهم شر بعد شر ، واللام للتقوية ، وقيل : وزنه فعلى من آل بمعنى رجع على صورة الدعاء برجوع أمرهم الى الهلاك ، ولهم خبره ، وقال الرضى : علم للشر ، ولهم خبره على أنه صفة مشبهة ، كأرمل وأرملة ، كما سمع أولاة بزيادة تاء التأنيث ، وطاعة خبر لمحذف ، أى أمرنا طاعة أو مبتدأ لمحذوف ، أى طاعة وقول معروف خير لهم ، أى الصواب أن يقولوا ذلك .

والقول المعروف ما وافق الشرع ، وقيل معروف أنه خداع منهم ، أى قول حق إلا أنهم قالوه ، خداعا وقرىء : يقولون : طاعة وقول معروف ، وهذه القراءة تدل على أنه من كلامهم الذى قالوه قبل الأمر بالجهاد .

﴿ فاذا عَزم الأمر ﴾ اشتد الأمر وهو واحد الأمور ، والمراد أمر للقتال ، أو ضد النهى ، والاسناد مجاز عقلى ، فان العازم الانسان لا الأمر ، كقوله :

قد جدت الحرب بكم فجدوا … ﴿ فلو صَدقوا الله لكانَ خيراً لهُم ﴾ المجموع جواب اذا ، وقيل جوابها محذوف ، أى كرهوا ، وقيل فاصدق يا محمد ، أو من يصلح للصدق ، والمعنى لو عاملوا الله بالصدق فى دعوى الايمان ، ودعوى الحرض فى الجهاد ، وقولهم : طاعة وقول معروف لكان الصدق خيرا لهم ، أى نفعا لهم ، بخلاف ما هم عليه ، فانه مضرة عليهم ، أو كان الصدق أفضل لهم مما يدعون فيه خلاصا وهو فساد .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٦٥