سَیَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَاۤ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ یَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَیۡسَ فِی قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن یَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَیۡءًا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرَۢا١١
الرسم الإملائيّ
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
الجزء ٢٦الربع ٢٠٤ صفحة ٥١٢
تفسيرها
}سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴿ الذين تخلفوا واعتلوا بالشغل بأموالهم وأهليهم، وإنما خلفهم الخذلان وضعف العقيدة، وكأنهم اختياروا اللذة الحقيرة الفانية على ما وعدهم به الله، واستعظموا في أنفسهم تعبده، ﴾شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴿ إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالها، ﴾فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴿ من الله على التخلف؛ ﴾يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴿ تكذيب لهم في الاعتذار والاستغفار؛ ﴾قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴿ فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه، ﴾إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴿ ؟ ما يضركم في الدين والدنيا، ﴾أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴿ ما يضاد ذلك، ﴾بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11){ فيعلم تخلفكم وصدقكم واعتذاركم.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٩٤
قوله تعالى : ﴿ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ ﴾ يعني المنافقين [ المتخلفين عن الجهاد في تفسير الحسن ] ﴿ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ أي : خفنا عليها الضيعة ، فذلك الذي منعنا أن نكون معك في الجهاد ﴿ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي يعتذرون بالباطل .
وقال الكلبي : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية تخلف عنه عامة الأعراب ، لم يتبعه أحد منهم ، وخافوا أن يكون قتال . فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية وعده الله خيبر؛ فأتوه ليعتذروا وليغزوا معه رجاء الغنيمة ، يقولون : ﴿ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ﴾ . . . إلى قوله : ﴿ بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ .
قال الله عز وجل : ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ الله شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا ﴾ أي أن يهلككم بنفاقكم فيدخلكم النار . ﴿ أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ﴾ أي : أن يرحمكم بالإيمان . أي : يمن عليكم . وقد أخبر نبيّه بعد في غير هذه الآية أنه لا يتوب عليهم في قوله : ﴿ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ ﴾ أي : وتموت أنفسهم ، أي يموتون . ﴿ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [ التوبة : 55 ] . وقال : ﴿ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ﴾ [ المنافقون : 6 ] . قال : ﴿ بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ .
قوله : ﴿ بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا ﴾ قد ذكرنا تفسير الكلبي أنه يوم الحديبية . وقال الحسن : كان ذلك في غزوة تبوك . كان المنافقون يقولون : لن يرجع محمد والمؤمنون إلى المدينة أبداً ، ويهلكون قبل أن يرجعوا ويهلك دينهم .
قال : ﴿ وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ وهو مثل قوله : ﴿ الظَّانِّينَ بِالله ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ [ الفتح : 6 ] أي : ظنوا أن محمداً وأصحابه سيهلكون ويهلك دينهم .
قال : ﴿ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ أي : فاسدين .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٩٤
﴿ سَيقُول لك المخلَّفون ﴾ الذين تركتموهم خلفكم ، ولم يخرجوا معكم الى مكة عام الحديبية معتمرين ﴿ مِن الأعراب ﴾ عرب البدو لا واحد له من لفظه الا بالنسب ، تقول : جاء أعرابى ، وقل مفرده عرب على العموم ، ثم خص بأهل البدو ومنهم ، والمخلفون منهم : جهينة ، ومزينة ، وغفار ، وأشجع ، والصمايل ، أو سلم ، وديل ، ونخع ، طلبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا معه للعمرة حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب ، أو يصدون عن البيت ، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم ، وساق معه الهدى ، ليعلم أنه ما أراد حربا ، فامتنعوا لما رأوا أنه استقبل صلى الله عليه وسلم عددا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والأحابيش ، وهم القبائل المجاورون حول مكة ، وقالوا : كيف نذهب الى قوم عزوه فى داره وقتلوا أصحابه؟ وقالوا ولم يتمكن الايمان فى قلوبهم : لن يرج محمد وأصحابه من هذه السفرة ، فأوحى الله تعلى اليه بما قالوا ، فأخبرهم بما قالوا قبل أن يصل اليه رسولهم به ، وباعتذارهم المذكور فى قوله تعالى : ﴿ شَغَلتْنا ﴾ عن السفر معك الى مكة للعمرة ﴿ أموالنا وأهْلونا ﴾ اذ لا حافظ لها بعدنا ، وأخروا ذكر الأهل للترقى ، بأن يذكروا شيئا فشيئا فيختموا بما يكون حجة لا ترد ، وان رد ما قبلها لا للاهانة ، لأن المحافظة على النسوة والمماليك والأولاد أهم عند ذوى الغيرة ، من المحافظة على الأموال ، وذلك مطبوع فى القلوب .
﴿ فاسْتَغْفر لنا ﴾ ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك ، فانه لم يكن لتكاسل أو لحب خذلان لك ، بل لذلك الشغل ، وقوله تعالى : ﴿ يقُولُون بألْسِنَتهم ما لَيسَ فى قلوبهم ﴾ مستأنف لتكذيبهم إذ قالوا : تخلفنا لذلك الشغل ، وفى قلوبهم أنهم تخلفوا لخذلانه ، ولخوف أن يقتلوا وبخلا بمئونة السفر ومشقته ، وإذ طلبوا الاستغفار طلب المعترف بالذنب ، وفى قلوبهم أنهم لم يذنبوا فى تخلفهم ، وأطلت الكلام على الكذب عند النظام وغيره فى موضع آخر .
﴿ قُل ﴾ رداً عليهم ﴿ فمن يمْلكُ ﴾ عاطفة فى الأصل على كلامهم ، وأما فى الحال فمما نصب بالقول ، كأنه قيل اعطف على كلامهم بقولك ، فمن يملك أو فى جواب شرط محذوف ، والكل وما بعده منصوب بقول ، أى قل ان كان ذلك فمن يملك الخ ، والملك التغلب على الشىء بقوة وضبط ، قال شيخ من العرب : أصبحت لا أملك رأس البعير ، ان نفر ، أويقال : ملكت العجين اذا شددت عجنه ، فمعنى الآية من يستطيع لكم امساك شىء من قدرة الله تعالى ان أراده بكم ﴿ لَكُم ﴾ هذه اللام صلة للفعل قبلها وهى للتمليك والنفع ، والقول بأنها للبيان ، أى أعنى لكم تخليط وزيادة معنى غير مراد ﴿ مِن الله ﴾ من للابتداء متعلق بيملك كما تعلقت به اللام ، أو بمحذوف حال من قوله : ﴿ شيئا ﴾ نفعا ، أو دفع ضر ، ودفع الضر نفع فصح أن اللازم للتملك والنفع ، ولا ينافى هذا النفع عموم قوله : ﴿ شيئا ﴾ للضر لما عملت أن دفعه بقوله :
﴿ إن أراد بكُم ضرا ﴾ ايقاع الضر ﴿ أو أراد بكُم نفْعاً ﴾ ايقاع النفع ، والضر والنفع باقيان على المعنى المصدرى ، ويجوز تفسرهما بمعنى الوصف أى الأمر الضار أو النافع ، كأنه قيل : ما يضر وما ينفع ، وقدر بعض من يملك لكم شيئا ان أراد بكم ضرا أو من يحرمكم النفع ، ان أرا بكم نفعا ، وهذا تفسير ليملك بدفع المضرة هنا ، كقوله تعالى :
﴿ فمن يملك من الله شيئا ان أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ﴾ الخ ، وقوله : ﴿ فمن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ﴾ وأنت خبير أن دفع الضر نفع ، ولا نسلم أن قولهم ملك له كذا مختص بدفع الضر ، ومثل ذلك قوله تعالى : ﴿ قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا وأراد بكم رحمة ﴾ والمراد عموم كل نفع ، وكل ضر لا خصوص اضاعة الأهل والمال وحفظهما ، كما زعم بعض ، لأن العموم يفيدهما وزيادة ، ولا دليل لذلك الزعم فى تهديدهم بقوله : ﴿ بلْ كانَ اللَّهُ بما تَعْملون ﴾ من الخذلان وسائر المعاصى ﴿ خَبيراً ﴾ فيجازيكم عليه ، والاضراب ببل انتقالى ، وكذا فى قوله :
﴿ بلْ ظنَنْتم أن لن ينْقَلب ﴾ يرجع ﴿ الرسُول ﴾ الخ والاضرابتان مقصودتان كل واحدة عما قبلها ، قيل : وفى الأخير بدل من قوله : ﴿ بل كان الله ﴾ الخ وتفسير لا فيه من الابهام ، وان شئت فاضرابات ثلاثة ، والثلاثة : ﴿ وزينا ذلك ﴾ او الثالثة ﴿ ظننتم ظن السوء ﴾ على ان المراد ظنهم السوء عموما لا خصوص ظن أن لن ينقلب الرسول ، وقيل : هو بيان للعلة فى تخلفهم ، والمعنى أن اعتذاركم بالأموال والأهلين كذب ، ليس ذلك مرادا ، بل خفتم أن يقتل النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فتقتلوا معهم ، كما قال : ﴿ أن لن ينقلب الرسول ﴾ ﴿ والمؤمنون الى أهليهم ﴾ عشائرهم وقربائهم ، ومن جاورهم ﴿ أبداً ﴾ بان يقتلهم المشركون ، أو يقتلوا ويأسروا بعضا ، وقالوا : محمد ومن معه أكملة رأس بفتح الهمزة والكاف ، أى عدد قليل كمقدار عدد يشبعهم رأس ناقة أو بعير بالنظر الى من فى مكة وحولها ، أو بضم فاسكان ، أى كرأس مأكول ، وجمع أهل جمع السلامة لمذكر فصيح استعمالا ، شاذ قياسا ، لأنه ليس عملا ولا وصفا ، ولا يخرجه عن الشذوذ تأويل بالوصف ، وأبدا تأكيد لمعنى لمن ، وهو التأييد فى النفى على أن لن للتأييد .
﴿ وزيِّن ذلك ﴾ زين الشطان أو الله بخذلانه ﴿ فى قُلوبكُم ﴾ ذلك الظن المدلول عليه بظننتم ، أو ذلك المظنون الذى هو النتفاء انقلاب الرسول والمؤمنين الى أهليهم أبدا ، والأول أنسب بقوله : ﴿ وظنَنْتم ظنَّ السَّوءِ ﴾ أى استمررتم عليه فاشتغلتم بأموالكم وأهليكم ، ولم تبالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وانما اولت الظن بالاستمرار لئلا يتكرر مع ما قبله ، أو كرر للتأكيد ، أو ليجمعه تأكيدا مع ما بعده من كونهم قوما بورا ، كقولك : قبح الله عمرا يزنى يزنى ويسرق بذكر يزنى مرة ثانية ليكون كقولك تصريحا قبحه الله ، يزنى ويجمع مع الزانى السرقة ، وأل فى ذلك كله للعهد فى ظن انتفاء انقلاب الرسول والمؤمنين ، وان جعلناها للجنس كان الظن مع السوء تعمما بعد تخصيص بأن يراد ذلك الظن ، وسائر ظنونهم الفاسدة .
﴿ وكُنْتم ﴾ فى أحوالكم ، أو فى علم الله ، أو فى اللوح المحفوظ ، أو صرتم ﴿ قَوماً بُوراً ﴾ هالكين لفساد اعتقادكم ، أو فاسدين فى أنفسكم وقلوبكم واعتقادكم ، وأصله مصدر ضمن معنى الوصف وهو بائر ، وأجيز أنه جمع بائر لأن فاعلا قد يجمع على فعل بضم فاسكان كحائل وحول ، وعائذ وعوذ ، وبازل وبزل .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٩٤