سورة المائدة · الآية ٤٢ من ١٢٠

‹ السورة السابقة
سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَاۤءُوكَ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن یَضُرُّوكَ شَیۡءࣰاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِینَ٤٢
الرسم الإملائيّ

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ

الجزء ٦الربع ٤٦ صفحة ١١٥

تفسيرها

[سورة المائدة — آية 42]

﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ هو كلُّ ما لا يحل كسبه ، وهو من سحته : إذا استأصله ، لأنه مسحوت البركة ، كما قال : ( يمحق الله الربا ) ، وقال : ( فيسحتكم بعذاب ) أي : يهلككم به . ﴿ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ قيل : كان مخيَّرا إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم ؛ وقيل : نسخ التخيير بقوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) . ﴿ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ العادلين .

افتحه في القارئ · صفحة ٧١١

[سورة المائدة — آية 42]

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ وهم المنافقون . يقول : لا يحزنك كفرهم ، فإن ذلك لا يضرّك ، إنما ضرّه عليهم .

ثم قال : ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ وهم اليهود ﴿ يَقُولُونَ ﴾ أي يقول الذين لم يأتوك ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

ذكر بعضهم قال : كان قتيل من بني قريظة قتله النضير ، وكان قتيل عمد . وكانت النضير إذا قتلت من قريظة قتيلاً لم يعطوهم القود ويعطونهم الدية . وإذا قتلت قريظة من النضير قتيلاً لم يرضوا دون القود ، فكانوا على ذلك حتى قدم نبي الله المدينة على تفئة قتيلهم؛ فأرادوا أن يرفعوا ذلك إليه ليحكم بينهم . فقال رجل من المنافقين : إن قتيلكم قتل عمداً ، ومتى ترفعوه إلى محمد أخشى عليكم القود ، فإن قبل منكم الدية فخذوه ، وإلا فكونوا منه على حذر . فأنزل الله هذه الآية ثم قال : ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ أي الرشى ، يعني اليهود ﴿ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ﴾ أي بالعدل ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ .

ذكروا عن الحسن في قوله : ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ قال : كان أحدهم يجيء مع خصمه إلى القاضي ويجيء برشوته في يده ليراها القاضي فلا يسمع القاضي إلا لها ولا ينظر إلا إليها . وأما قوله : ﴿ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ . . . الآية فإنه كان رخص له في هذه الآية إن جاءوا أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم إن شاء ، ثم نسخ ذلك بعد فقال : ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ ﴾ [ المائدة : 48 ] فنسخت هذه الآيةُ الآيةَ الأولى .

افتحه في القارئ · صفحة ٧١١

[سورة المائدة — آية 42]

﴿ سَمَّاعُونَ لِلكَذِبِ ﴾ تأَكيد لما قبله وتمهيد لقوله : ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ المال الحرام كالرشا لأَنه يسحت البركة من المال والعمر أي يقطعها وتنقطع منه ، وقال الزجاج : لأَنه يعقبه الاستيصال ، وقال الخليل لأَنه يسحت المروءَة عن صاحبه في حين كسبه قال ابن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل لحم نبت من سحت فالنار أَولى به : قيل : يا رسول الله ما السحت : قال الرشوة » قال جابر بن عبد الله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هدايا الأُمراء سحت . قال صلى الله عليه وسلم : لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشى بينهما » ويجوز أَن يكون المعنى سماعون لكلام الخصم الراشي في الحكم فلا تأكيد لما قبله ، ويناسبه ذكر أَكل السحت فتكون الآية في اليهود . قال الحسن : كثرت الرشوة في بني إِسرائيل حتى أَنه يجعل الخصو الرشوة في كمه فيريها الحاكم فيتكلم بحاجته ولا ينظر إِلى خصمه . وقيل ذكر تعليلاً لقوله تعالى : ﴿ لهم في الدنيا خزى ﴾ وقيل الكذب هنا الدعوى الباطلة وفيما مر ما يفتريه الأحبار ﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ ﴾ للحكم بينهم ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ بالقرآن ﴿ أَوْ أَعْرضْ عَنْهُمْ ﴾ زاد المحلى أَنك إِن أَعرضت عنهم فارددهم إِلى حاكم ملتهم ، وإِن جاءَ كتابي موحد وجب الحكم ، ثم نسخ ذلك التخيير بقوله تعالى : وأَن احكم بينهم فيجب الحكم بين أَهل الكتاب إِذا تحاكموا إلينا لأَن لهم ذمة فيجب القيام بها ، وكذا كتابي وغيره قياماً بحقه إِذ كان ذميا ، وقيل غير منسوخ وهو قول للشافعي والراجح عنه عدم النسخ ، وقيل الآية ليست في أهل الكتاب والصحيح أَنها فيهم لقوله تعالى ﴿ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة ﴾ الخ . وعن أَبي حنيفة وجوب الحكم وأَن الآية فيهم وأَن التخيير منسوخ بأَن احكم بينهم ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ، ومن لم يقل بالنسخ قال : المراد حكم بينهم بالحق لا بغيره إغراءً بالحق وإلهابا عليه ، والظاهر بقاء التخيير ما لم يدخلوا اتحت الذمة وإِذا دخلوا لم يلزمنا ما لم يترافعوا فيه إلينا ولزمنا ما ترافعوا فيه إِلينا ونحكم عليهم بأَحكام الإِسلام فيما يبطل به البيع والنكاح وما يصح به ونحو ذلك وقيل يتركون على بيع الخمر والخنزير ﴿ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّكَ شَيْئاً ﴾ أَى ضرا لأن الله عصمك من الناس فهم وإِن ازدادوا عداوة لإِعراضك غير قادرين على مضرتك ، قدم الإِعراض للمسارعة إِلا أَن لا يخاف مضرة منهم إِذ قد تتوقع ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ ﴾ أَردت الحكم بينهم ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ بالعدل الذي جاءَكَ من الله كالرجم أَو من اجتهادك إِن لم يكن وحى . ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المقْسِطِينَ ﴾ يرضى حالهم فيحفظهم ويعظم شأَنهم ويثيبهم ، يقال قسط واقسط بمعنى عدل ويقال قسط بمعنى جار وأَقسط ومقسط أَى أَزال القسط أَى الجور .

افتحه في القارئ · صفحة ٧١١