إِنَّمَا یُرِیدُ ٱلشَّیۡطَٰنُ أَن یُوقِعَ بَیۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَاۤءَ فِی ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَیۡسِرِ وَیَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ٩١
الرسم الإملائيّ
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
الجزء ٧الربع ٤٩ صفحة ١٢٣
تفسيرها
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ ﴾ ذكر ما يتولد منهما من الوبال ، وهو وقوع التعدي والتباغض ، من أصحاب الخمر والقمر ، وما يؤديان إليه من الصدَّ عن ذكر الله ، وعن مراعاة أوقات الصلاة وخُص من بين الذكر لزيادة درجتها ، كأنه قال : وعن الصلاة خصوصا . وانظر إلى أحوال الشيطان كيف يزين فعل معصية لتكون سببا لركوب معاصي ، وتركا لما فرض الله ، وعقوبة في الدنيا ، وهي العداوة والتباغض ، وإضاعة المال في المعاصي ، وعذاب النار في الآخرة لمن لم يتب ؛ ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴾ ؟ من أبلغ ما يُنهى به ، كأنه قيل : قد تلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والزواجر ، فهل أنتم مع هذه الصوارف منهون ؟ وأنتم على ما كنتم عليه ، كأن لم توعظوا أو لم تنزجروا .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٦٠
قوله : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشِّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ كانوا إذا شربوا الخَمر فسكروا عدا بعضهم على بعض فكانوا يتقامرون حتى لا يبقى لأحدهم شيء . فكان يورث ذلك بينهم عداوة .
وقال بعضهم : الميسر القمار كله . قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اللعب بالكعبين ، وقال : « هو ميسر العجم » .
وكان الرجل في الجاهلية يقامر على عز ماله وأهله فيقعد حزيناً سليباً ينظر إلى ماله في يد غيره ، فكانت تورث بينهم عداوة فنهى الله عن ذلك .
قوله : ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَل أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴾ . كان أنزل في سورة البقرة : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ﴾ [ البقرة : 219 ] فذمّها في هذه الآية وهي يومئذ حلال . وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال : « إن الله يقرب في تحريم الخمر » ثم نزلت أية أشدّ منها : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ [ النساء : 43 ] .
فكانوا يشربونها حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا . وكان السكر عليهم منها حراماً ، وأحل لهم ما سوى ذلك . ثم جاء تحريمها في هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴾ [ فجاء تحريم الخمر قليلها وكثيرها ما أسكر منها وما لم يسكر ] .
ذكر بعضهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من شرب الخمر ثم لم يسكر أعرض الله عنه أربعين ليلة ، ومن شرب الخمر ثم سكر لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً أربعين ليلة ، فإن مات فيها مات كعابد الأوثان ، وكان حقاً على الله أن يسقيه الله من طينة الخبال » قيل يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال : « عصارة أهل النار في النار : القيح والدم » .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٦٠
فدعاه فقرأَه عليه ، فقال : انتهينا يا ربنا ، وقال صلى الله عليه وسلم « من كان عنده شئ من الخمر فلا يطعمها ولا يبعها » أَكد الله جل وعلا تحريم الخمر والميسر والأَنصاب والأَزلام بالجملة الاسمية وبالحصر بإِنما المفيدة قصرهن على صفة هى كونهن رجساً كائنا من عمل الشيطان قصر موصوف على صفة ، كأَنه قيل ليس لهن من الصفات إِلا كونهن رجساً من عمل الشيطان ، وأَكد تحريمهن أَيضاً بأَنهن رجس وأَنهن من عمل الشيطان ، فالاشتغال بهن شر خالص لأَن الشيطان كافر متمرد لا غرض له سوى مخالفة الله ، والرجس مستقذر عقلا ونجس ، وأَكد تحريمهن بالأَمر بالاجتناب وبترتيب الفلاح على اجتنابهن فلا يحصل الفلاح معهن فإِن تحريم عين الشئ أَبلغ من تحريم معاملته والانتفاع به ، وكم شئ مرغوب في عينه محرم الانتفاع به كلبس الرجل الذهب والحرير ، وزاد في تحريم الخمر والميسر تأكيداً بقربهما بالأَصنام تشبيهاً بها ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « شارب الخمر كعابد وثن » ، وكثيراً ما يسب شاربها الله عز وجل ويقارف أَلفاظ الشرك وكلاهما كعبادة الصنم في ارتكاب المحرمات ، وأَكد تحريمها بالحصر بأَنه ما أَراد الشيطان بهما إِلا إِيقاع العداوة والبغضاءِ من أُمور الدنيا والصد عن ذكر الله والصد عن الصلاة من أُمور الدين ، إِذا شرب الخمر سب الناس ولا سيما إِن شربها مع غيره ، وتحصل العداوة بالسب ، وقد يشربون معاً تأكيداً للأَلفة ويئول أَمرهم إِلى أَعظم عداوة وبغضاء بالتنازع ، وقد يتقامرون ليحصل لهم مال يجودون على الفقراء ويئول أَمرهم إِلى ذهاب أَموالهم كلما صار مغلوباً أَعاد لعله يكون غالباً فلا عدو له أَعدى ممن تغلب على ماله ، وقد يقامر حتى لا يبقى له شئ فيقامر لجاجاً وأَنفة وطمعاً في الغلبة بولده وأَهله ، فلا أَعدى له ممنيأخذ ذلك منه ، ويلهو المقامر والشارب عن الصلاة والذكر ، وفي شربها سكر وطرب ولذة فيغفل عنهما ، وفى المقامرة استغراق الكفر فيما يكون به غالباً ، وخص الخمر والميسر بالذكر ثانياً مع ذكر العداوة والبغضاء والصد عن الصلاة والذكر؛ لأَنهما مما يأْنفه المؤمنون ، وأَنها المقصود بالذات في الآية الأُولى ، وأَما الأَنصاب والأَزلام فليست مما يتعاطاه المؤمنون ، وإِنما ذكرت تأكيداً لقبح الخمر والميسر وإِظهاراً لكونهما كالأَنصاب والأَزلام ، والصلاة داخلة في الذكر إِلا أَنها خصت باسمها تعظيماً لها وإِشعاراً بأَن الصاد عنها كالصاد عن الإِيمان؛ لأَنها عماد الدين ، وليس بين العبد والكفر إِلا تركه الصلاة ، ويدل على أَن المراد بالذات في النهى عن الخمر والميسر المؤمنون قوله تعالى ﴿ يا أَيها الذِينَ آمَنوا ﴾ وفي ذكر الانتهاء إِيذان بأَن الأَعذار انقطعت ولم يبق إِلا الانتهاء عن الخمر والميسر؛ لأَن العداوة والبغضاءَ والصد يوجبن الكف عنهما . واللفظ استفهام والمراد الأَمر ، أَى أَتقيمون عنهما مع تلك المفاسد الدنيوية والدينية أَم لا ، انتهوا ولكونه بمعنى الأمر عطف الأَمر عليه في قوله .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٦٠