مَا یُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَیَّ وَمَاۤ أَنَا۠ بِظَلَّٰمࣲ لِّلۡعَبِیدِ٢٩
الرسم الإملائيّ
مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
الجزء ٢٦الربع ٢٠٨ صفحة ٥١٩
تفسيرها
}مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴿ أي: بوقوع الخلف فيه، فلا تطعموا أن أبدل وعيدي، ﴾وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29)﴿ بأن أعذب من ليس لي تعذيبه. ﴾يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30){ ؟ وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد المعنى في القلب.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٥٩
قال : ﴿ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ أي : عندي ﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴾ أي : في الدنيا . ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ أي : عندي ، من الوعد والوعيد في تفسير الحسن . وقال مجاهد : يقول : قد قضيت ما أنا قاض . ﴿ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ أي : في مزيد .
وقال مجاهد قوله : ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ ﴾ أي : وأدنيت الجنة ﴿ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ قال : ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ ﴾ يعني الجنة ﴿ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ﴾ والأوّاب : التائب الراجع عن ذنبه . وقال مجاهد : الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها .
ذكروا عن عبيد بن عمير قال : كنا نحدّث أن الرجل إذا قال في مجلسه : سبحان الله العظيم ، اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا إنه الأواب الحفيظ .
ذكروا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من قوم يكونون في مجلس يتفرقون منه على غير ذكر أو صلاة على نبيهم إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار ، وكان عليهم حسرة يوم القيامة » .
ذكروا أن جبريل عليه السلام علم النبي عليه السلام إذا أراد أن يقوم من مجلس أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، أستغفرك اللهم وأتوب إليك .
قوله عز وجل : ﴿ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ﴾ أي لقى الله بقلب مخلص؛ كقوله عز وجل : ﴿ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [ الشعراء : 89 ] أي : من الشرك .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٥٩
﴿ قالَ قَرينُه ﴾ شيطانه المقرون للاغواء ﴿ ربنا ما أطغَيتُه ﴾ ما حلمته على الطغيان بالاجبار ، وهذا الكلام يستدعى أن الكافر اشتكى الى الله عز وجل بأن قرينه أضله ، وطمع أن يكون له عذر ، أو يعذب قرينه بدله ، أو يخفف عنه العذاب ، أو يكون تحته فى النار أو نحو ذلك ، أو القرين كل من قرن به ويغويه من الإنس والجن ، وعن ابن عباس : القرين الملك ، يقول الكافر : ان الملك زاد علىَّ من السيئات ما لم أفعله ، فيكون معنى ﴿ ما أطغيته ﴾ ما زدت عليه ما يكون به طاغيا .
﴿ ولكن كان فى ضلالٍ ﴾ باختياره لا بإجبار كما قال : ﴿ وما كان لى عليكم من سلطان ﴾ إلخ ﴿ بعيدٍ ﴾ راسخ شديد من جهة نفسه حتى أثر فيه أدنى وسواس ، فذلك هو البعد ، وقيل : بعيد عن الحق لم يقرب منه ، وكأنه قيل : فما قال الله عز وجل؟ فقال عز وجل :
﴿ قال ﴾ الله عز وجل ﴿ لا تَخْتصمُوا الدىَّ ﴾ أى عندى فى موقف الحساب ، وليس ينفعكم اختصامكم ، والحال أنى قد أنذرتكم وبينت لكم فى الدنيا ما قال : ﴿ وقَد قَدَّمت إليْكُم بالوعيدِ ﴾ فى كتبى ، وعلى ألسنة رسلى افعلوا كذا ، ولا تفعلوا كذا ، أو أنه من عصانى أعذبه ، وجاءكم أنى قلت لابليس : ﴿ لأملأن جهنم منك وممن تبعك ﴾ والباء صلة ، والوعيد مفعول به ، أو قدمت بمعنى تقدمت ، فالباء على أصلها ، ولا يصلح أن يكون قوله تعالى :
﴿ ما يُبدَّلُ القَولُ لَدىَّ ﴾ مفعول به لقدَّمت إلا على أن المراد هذا اللفظ الذى هو : ﴿ ما يبدل ﴾ الخ وتقدير أنه ما يبدل ، أو تضمين قدمت معنى قلت ، والأصل خلاف ذلك كله ، فهو مستأنف فى مجموع ما انسحب عليه قوله : قال ولدى متعلق بيبدل ، ولا حاجة الى تعليقه بالقول ، والقول هو قوله عز وجل : ﴿ لأملأن جهنَّم ﴾ أو الوعيد مطلقا ، أو قوله يوم خلق العباد ، هذا سعيد وهذا شقى ، أو قوله : ﴿ ألقينا فى جهنم ﴾ أو مطلق الوعد والوعيد ، والمراد لا أبدل القول ، ولا يبدله غيرى لا طاقة لأحد أن يبدل ما قلت .
﴿ وما أنا بظلام للعَبِيد ﴾ إنما أجازكم بأعمالكم ، وقد فعلتموها باختياركم لا باجبارى ، ولو أجبرتكم عليها ، وعاقبتكم عليها ، لكنت طالما لكم ، وقوله :
﴿ يوم نَقُول لجهنَّم هَل امْتَلأت وتَقُول هَلْ مِنْ مَزيدٍ ﴾ متعلق بظلام ، أو بيبدل ، أو مفعول به لا ذكر أو لأنذر لأنه كما يقال أنذرهم بكذا ، يقال : أنذرهم كذا ، وقوله : « لجهنم » ايحاء اليها بملك أو بخلق كلام حيث شاء ، وقولها هو نطق باذن الله يخلق فيها عقلا ونطقا ، وقد تعبدنا باتباع الظواهر كما فى قول جهنم ما لم يمنع مانع ، كما فى قول الله ، فانه منزه عن التلفظ ، ومن تمييز النار وعقلها ، وتميز الجنة وعقلها تحتاجهما تقول النار مفتخرة : انه وضع فيها المتكبرون ، وتقول الجنة : مالى لا يدخلنى الا الضعفاء؟ فيقول الله عز وجل للنار : أنت عذابى ، وللجنة : أنت رحمتى ، ولعل الحديث موضوع ، وكيف تفتخر النار بالعصاة ، وكيف يهون على الجنة من يدخلها ، وان لم يكن موضوعا فالمراد التمثيل والبيان ، فلا نطق ولا محاجر ، ولا حاجة إلى قول بعض يوم نقول لخزنة جهنَّم هل امتلأت جهنم ، تقول هى اى خزنتها : هل من مزيد ، ومن صلة لتاكيد العموم ، ومزيد مبتدأ خبره محذوف ، أى عندك أولى ، سواء جعلناه مصدرا ميميّاً بمعنى الزيادة ، أو اسم مفعول أى مزيود ، ثقلت الضمة على الياء فحذفت وقلبت الواو يا لكسر محدث قبلها ، وحذفت الياء الأولى أو الثانية للساكن .
قيل : المراد أنها متسعة يبقى فيها فراغ عمن يدخلها من الانس والجن ، فذلك كناية عن اتساعها ، ولست تطلب الزيادة حقيقة ، ويعترض بقوله تعالى : ﴿ لأملأن جنهم ﴾ فلا فراغ فيها ، وأجيب بأن المراد بملئها اكثار داخليها حتى لا تخلو طبقة من طبقاتها من كثرة ، وهذا معتاد ، تقول : امتلأت القرية بالناس ، تريد كثرتهم ، ولا تريد أنه ما فيها فراغ ، والاستفهام للتقرير ، ويجوز أن يكون المعنى أنها لا تقبل الزيادة ، فيكون الاستفهام للانكار ، وبه قال ابن عباس رضى الله عنهما .
ونجمع بين لك بأن يكون فيها فراغ فتطلب الزيادة حتى تمتلىء ، وفى حديث أنس عنه صلى الله عليه وسلم : لا « تزال تطلب المزيد حتى يضع الرب فيها قدمه » وفى حديث أبى هريرة : « حتى يضع الرب فيها رجله » وذلك تقرير للزيادة لا انكار لها ، والقدم عبارة عما يقدم اليها آخرا ، فلا تزال تستزيد ويلقى فيها ما يلقى ، حتى يلقى فيها آخر ما يلقى ، أو المعنى حتى يتم فيها ما قضى الله أن يتقدم اليها كقوله تعالى : « قدم صدق » أى متقدم صدق ، والرجل الجماعة كما فى حديث أيوب عليه السلام : « ألقى الله اليه رجلا من جراد ، أى جماعة من جراد من ذهب ، أو وضع والرجل عبارة عن كفها عن طلب الزيادة ، وابطاله كما تقول : وضعته تحت قدمى ، تزيد ابطاله ، وسلف الأشعرية يقولون : ان ذلك قدم ورجل بلا كيف ، ويعرضون عن التأويل ونقول : الحديث ان لم يكن موضوعا فهو مأول بما .
وعن ابن عباس : سبقت كلمة الله ﴿ لأملأن جهنم من الجنَّة والناس أجمعين ﴾ فتقول ألست أقسمت فتملأنى ، فيضع قدمه فيها فيقول : هل امتلأت فتقول : قط قط قد امتلأت ولا مزيد فىَّ ، ولفظ البخارى ومسلم ، عن أنس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا تزال جهنم يلقى فيها تقول : هل من مزيد ، حتى يضع رب العرش « وفى رواية » رب العزة « وفى رواية : » الرب « فيها قدمه فيزوى بعضها الى بعض وتقول قط قط بعزتك ، ولا يزال فى الجنة فاضل حتى ينشىء الله تعالى لها خلقا فيسكنهم فتقول الجنة » ولأبى هريرة نحوه ، وزاد : « ولا يظلم الله أحدا من خلقه » .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٦٥٩