[سورة القمر — آية 43]
﴿ ولقد جاء آل فرعون النُّذر ﴾ حقيقة الإنذار وجنسه أو الانذارت ، أو المنذرون الذين هم موسى وهارون ومن أعانهما من المؤمنين أوالأنبياء السابقون قبلهما ، لأن الدعوة واحدة ، ويدل لهذا قوله تعالى :
﴿ كذَّبوا بآياتنا كُلِّها ﴾ آيات الأشياء كلها ، وهذا لابقاء العموم على ظاهره أولى من أن يقال : المراد آيات موسى التسع ، ووجه التعبير بالتسع أنهن المعهودة على عهد فرعون ، ودخل فرعون فى الكلام بالأولى ، لأنه رأس قومه فى الكفر ، وامامهم فيه ، وكأنه قيل : ما فعل آل فرعون إذ جاءهم النذر؟ فقال : كذبوا ولما أشعر قوله تعالى : ﴿ ولقد جاء آل فرعون النذر ﴾ بالعقاب على نسق ما مر فى السورة من ذكر هذه العبارة فى العذاب ، صار محلا ، لأن يقال : فماذا وقع بهم؟ فأجاب بقوله :
﴿ فأخَذْناهم أخذ عَزيزٍ مُقْتَدر ﴾ بعد ذكره موجبه الذى هو تكذيبهم بالآيات كلها ، وواو كذبوا وهاء اخذناهم لآل فرعون ، لقرب ذكرهم ، وليجرى على نسق ما قبله من ذكر كل قوم بما لاق بهم ، وزعم بعضهم أن الضميرين لهؤلاء الأقربين ، وهم آل فرعونه ، ولمن ذكر قبل مع بعد ، وأن الكلام تم فى قوله : ﴿ النذر ﴾ وهو خلاف الظاهر ، وانما تم فى قوله : ﴿ أخذ عزيز مقتدر ﴾ والفاء تفريع وتسبب ، والعزيز المقتدر الله تعالى ، فالنصب على المفعولية المطلقة المجردة عن التشبيه ، إذ ليس المراد تشبيه أخذه بأخذ أحد عزيز مقتدر ، بل أراد للتعظيم بالعزة والاقتدار ، وهو افتعال من القدرة للمبالغة ، وهنا تم الكلام على الأمم فصرف الكلام على كفار هذه الأمة فقال :
﴿ أكفَّاركُم ﴾ معشر العرب ، أو يا أهل مكة ، ويلتحق بهم غيرهم ، والخطاب إما للمؤمنين أو مع غيرهم ، فيشكل عليه أنه يلزم أن يكون الاستفهام الانكارى فى الآية متوجها الى المؤمنين ، مع أنه لا عتاب عليهم ، وأيضا لا يناسبه قوله تعالى : ﴿ أم لكم براءة فى الزبر ﴾ فانه لا يدعى المؤمنون أن لهم براءة فى الزبر ، ويجاب بأن اللفظ خطاب عليهم لأجل كفارهم ، واللمراد به اسماع كفارهم ، ويقدر مضاف أى أم لكفاركم براءة فى الزبر ، واما للكفار بأن يخاطب كل كافر ينافى الكفار أو جرد منهم لشدة كفرهم كفاراً آخرين ، ولم يقل أنتُم للنص على كفرهم .
﴿ خيرٌ ﴾ بالمال والعدد والعدة وقوة الأبدان وطول عمر ﴿ مِن أولئكُم ﴾ من قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وآل فرعون ، لابل أو أولئكم خير وقد أصابهم الهلاك بفكرهم ، فكيف لا تخافون أن يصيبكم بكفركم ، وقيل يجوز أكفاركم خير من أولئكم بلين الشكيمة فى الكفر ، وفيه نظر ، لأنا لا نسلم أن كفَّار العرب أو أهل مكة أشد كفرا ، بل الأمم السابقة أشد كفرا ﴿ أمْ لَكُم بَراءةٌ ﴾ بل ألكم براءة ، أى لكفاركم براءة من العقاب على كفركم ﴿ فى الزُّبير ﴾ الكتب السماوية ، واختار بعض أن هذا الخطاب للكفار بالذات ، والأول للمؤمنين أو مع غيرهم ، وفيه تلوين الخطاب ، وهو خلاف الظاهر .