فَبِأَیِّ ءَالَاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ٤٥
الرسم الإملائيّ
فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
الجزء ٢٧الربع ٢١٣ صفحة ٥٣٣
تفسيرها
}يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴿ بعلامتهم، ﴾فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41)﴿ مجموعا بينهما؛ وقيل: يؤخذون بالنواصي تارة وبالأقدام تارة أخرى؛ وقيل: تضم نواصيهم إلى أقدامهم، فيسحبون إلى النار؛ ﴾فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42)﴿ (لعله) لأن عذاب العاصين نعمة للمطيعين، كما أن نعمة المطيعين عذاب للعاصين. ﴾هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا﴿ بين النار يحرقون بها، ﴾وَبَيْنَ حَمِيمٍ﴿ ماء حار، ﴾آَنٍ (44)﴿ بلغ النهاية في الحرارة، يصب عليهم، أو يسقون منه؛ وقيل: إذا استغاثوا من النار؛ أغيثوا بالحميم؛ ﴾فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45){ فهذه نعمة عظيمة لمن زحزح عنها.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٩٤٦
قوله عز وجل : ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ أي : المشركون ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ .
بلغنا والله أعلم أن شجرة الزقوم نابتة في الباب السادس من جهنم على صخرة من نار ، وتحتها عين من الحميم أسود غليظ ، فيسلط على أحدهم الجوع ، فيُنطلق به ، فيأكل منها حتى يملأ بطنه ، فتغلي في بطنه كغلي الحميم ، فيطلب الشراب ليبرد به جوفه ، فينزل من الشجرة إلى تلك العين التي تخرج من تحت الصخرة ، من فوقها الزقوم ومن تحتها الحميم ، فتزل قدماه على تلك الصفا ، فيقع لظهره ولجنبه ، فيشتوى عليها كما يشتوى الحوت على المِقلَى . فتحسبه الخزان على وجهه ، فينحدر على تلك العين ، ولا ينتهي إليها إلا وقد ذهب لحم وجهه ، فينتهي إلى تلك العين ، فيسقيه الخزان في إناء من حديد من نار . فإذا أذناه من فيه [ اشتوى وجهه ، وإذا وضعه على شفتيه ] تقطعت شفتاه وتساقطت أضراسه وأنيابه من حره . فإذا استقر في بطنه أخرج ما كان في بطنه من دبره .
وبلغنا أن ابن عباس قال : إن في جهنم شجرة ثابتة في أصل جهنم ، لا بد للكافر من أكلها ، فتملأ بطنه . فيهوي حتى إذا انتهى إليها أكل منها . فإذا ملأ بطنه صعد إلى أعلاها . فإذا بلغ إلى أعلاها انحدر إليها أيضاً . فإذا أكل منها صعد إلى أعلاها أيضاً ، فإذا بلغ إلا أعلاها انحدر إليها .
وقال في آية أخرى : ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبةٌ ﴾ [ الغاشية : 3 ] أي : كفرت بالله في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار ، فهم في عناء وترداد .
قوله تعالى : ﴿ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ فالحميم : الحار ، والآني : الذي قد انتهى حره . وقال مجاهد : قد بلغ أناه وحان شرابه . ذكروا عن الحسن في قوله : ﴿ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ [ الغاشية : 5 ] أنى حرها فاجتمع . قال : قد وقد عليها منذ خلق الله السماوات والأرض . قال تعالى : ﴿ فَبِأَيِّ آلآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٩٤٦
﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا ﴾ النعم التى يتضمنها الإِخبار بمعرفة المجرمين بالسيمى والأَخذ بالنواصى والأَقدام من الازدجار ، ويقال لهم هذه جهنم الخ ، قيل أو مقول لحال محذوفة صاحبها هاء لهم أو منهم المقدر هكذا بالنواصى والأَقدام لهم أو منهم مقولا هذه الخ أو مقول لقول مستأَنف جواب سؤال ، لأَن الأَخذ بالنواصى والأَقدام يشعر بأَن معه قولا ، كأَنه قيل ماذا يقال لهم؟ فقال : يقال لهم هذه جهنم الخ والمضارع لإِفادة استمرار تكذيبهم بجهنم فى الدنيا ، فلذلك لم يقل كذب بها المجرمون وأظهر ولم يقل يكذبون ليصفهم بالإِجرام الموجب للنار ﴿ يَطُوفُونَ ﴾ يترددون ﴿ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ﴾ تارة يكون فيها وتارة فى الحميم وهو ماءَ حار يغلى منذ خلق الله جهنم يغمسون فيه وقيل صديد أهل النار الحار ، وعن الحسن نحاس مذاب كالماء حار وعلى كل حال يغمسون فى الحميم فتخلع أعضاؤهم فيخلقها الله عز وجل ، وقيل ينصب عليهم وقيل يسقونه إِذا طلبوا الماء وقيل إِذا اشتغاثوا من النار صب عليهم أو غمسوا فيه ، وعن كعب الأَحبار يساقون إِلى واد فيه دم وقيح أهل النار بالأَغلال فيغمسون فيه ويخرجون وقد أحدث الله عز وجل قوة ويردون إِلى النار ﴿ آنٍ ﴾ بالغ أناه أى غايته فى الحرارة ، وقيل حاضر وهو كقاض ﴿ فَبِأَىِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا ﴾ نعمه التى تضمنها الإِخبار بجهنم والحميم الآنى فينزجروا ، والآيات من قوله تعالى ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ إلى هنا لا نعمة فيها بل زواجر لكنها وعظ نافع لمن يزدجر فهى نعم فساغ ذكر الآلاء ﴿ تُكَذِّبَانِ . وَلِمَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ ﴾ موضع قيامه وهو المخشر أو زمان قيامه أو نفس قيامه ، وقيامه فى ذلك كله قيامه على كل نفس بالجزاء على أعمالها أو قيامه عليهم فى حياتهم بالمراقبة والحفظ لأَحوال كما قال عز وجل : ﴿ أَفَمَنْ هوَ قائِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بما كَسَبَتْ ﴾ فالقيام فعله ويجوز أ ، يكون قيام الخلق له ، أى القيام الذى يقومه الخلق له عز وجل ، كقوله تعالى : ﴿ يَوْمَ يَقومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالمِينَ ﴾ فالقيام فعل الخلق فى المحشر ينتظرون ما يحل بهم وقيل المعنى ولمن خاف مقامه عند ربه أو موضع قيامه عنده أو زمان قيامه عند ربه ، والعندية بمعنى حضور حسابه تعالى أو المراد خاف الله وزاد مقام اعظاماً له عز وجل ، كما تقول للسلطان أعز الله مقامك ، وعلى كل حال يهتم بالمعصية فيذكر العذاب عليها فيتركها . ﴿ جنَّتَانِ ﴾ عرض كل واحدة منها مائة عام كما رواه عياض بن غنم : إِحداهما منزله وموضع زيارة أحبابه له والأَخرى منزل أزواجه وخدمه أو إِحداهما داخل منزله والأُخرى خارجه أو جنتان ينتقل من إِحداهما للأُخرى ولتتوفر لذته فى مقابلة تردد أهل الناء بين الحميم والنار ، أو إشحداهما لأَعمال قلبه والأُخرى لأَعمال بدنه أو إِحداهما لطاعته والأُخرى لتركه المعصية أو إِحداهما لخوفه والأُخرى لتركه المعصية أو إِحداهما لعبادته والأُخرى بفضل الله عز وجل ، أو جنة للتوحيد والأُخرى للعمل أو جنة عدن وجنة نعيم وللجنى جنتان كالآدمى وهو داخل فى الآية فليس كما قيل إحداهما للخائف الجنى والأُخرى للخائف الإِنسى من حيث إِن الخطاب للإِنس والجن ، وقد روى أن شاباً ملازما للعبادة فى المسجد كلمته جارية فى خلوته فيه ، فمالت نفسه فشهق فحمله عمه لداره وأفاق ، وقال يا عم أقرئ السلام عمر ، واسأَله ما لمن خاف مقام ربه وشهق شهقة أُخرى فمات فجاء عمر فقال : لك جنتان لك جنتان ففسر الآية بأَنهما للواحد لا للجنى إِحداهما وللإنسى الأَخرى ، وروى أن أبا بكر رضى الله عنه تفكر فى أهوال يوم القيامة فقال : يا ليتنى كنت نسية فأَكلتنى بهيمة أو لم أولد ، فنزل ولمن خاف مقام ربه جنتان .
وفى الترمذى عن أبى هريرة عن رسول الله - صلى الله عيله وسلم - « من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إِن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة » ، والإِدلاج السير أول الليل وذلك عبارة عن الاجتهاد فى الطاعة . قال أبو ذر سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقص على المنبر ويقول : « ولمن خاف مقام ربه جنتان » فقلت : وإِن زنى وإِن سرق؟ فقال : « وإِن زنى وإِن سرق » ، وكلما عاد عدت فقال فى الثالثة : على رغم أنف أبى ذر ، وهو حديث منى لمن تاب ألا ترى إِلى قوله : ولمن خاف وهل ترى من لم يتب خائفاً مقام ربه والخوف المذكور الخوف الزاجر لصاحبه عن المعاصى وعن الإِصرار ولا يكون خائفاً من لم يكن للذنوب مخالفاً .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٩٤٦