فَمَن یُرِدِ ٱللَّهُ أَن یَهۡدِیَهُۥ یَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن یُرِدۡ أَن یُضِلَّهُۥ یَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَیِّقًا حَرَجࣰا كَأَنَّمَا یَصَّعَّدُ فِی ٱلسَّمَاۤءِۚ كَذَٰلِكَ یَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ١٢٥
الرسم الإملائيّ
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
الجزء ٨الربع ٥٧ صفحة ١٤٤
تفسيرها
﴿ فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ يُوسعه ويُنور قلبه ، قال : (( إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ، قيل : وما علامة ذلك ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله )) ، ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ بالغا في الضيق ، يعني : يجعل قلبه ضيقا ، حتى لا يدخله الإيمان ، حتى إذا سمع ذكر الله ، اشمأز قلبه ، وإذا ذكر شيء من عبادة الأوثان ارتاح قلبه ، ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء ﴾ كأنه كلف أن يصعد إلى السماء ، إذا دُعي إلى الإسلام من ضيق صدره ، يعني : يشقُّ عليه الإيمان ، كما يشقُّ عليه صعود السماء ، وأصل الصعود المشقة ، ومنه : ( سأرهقه صعودا ) أي : عقبة شاقة ، والمعنى : كأنما يزاول أمرا غير ممكن ، لأن صعود السماء مثل فيما يبعد من الاستطاعة ، وتضيق عنه المقدرة ، ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ ﴾ اللعنة في الدنيا ، والعذاب في العقبى ، ﴿ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ إيمان حقيقي .
افتحه في القارئ · صفحة ٩١٤
قوله : ﴿ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ ﴾ أي يوسع صدره ﴿ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدِ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ والحرج الضيق ، وهو كلام مثنى وهو الشك ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾ أي يثقل عليه ما يُدْعَى إِليه من الإِيمان . وفي تفسير الحسن : كأنما يكلّف أن يصعّد في السماء . قال الله : ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ ﴾ يعني رجاسة الكفر ﴿ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٩١٤
﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ ﴾ الفاء عطفت الجملة الاسمية على قوله سيصيب إِلخ ، عطف قصة على أُخرى بل بينهما مناسبة باعتبار مفهوم الكلام من أَن المجرمين يصيبهم الذل والعذاب ، والمؤمنين لا يصيبهم ذلك بل العز والإِنعام ، ففى كل من الجمل وعد ووعيد ، أَلا ترى إِلى قوله ﴿ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ﴾ فإِنه ناظر إِلى مفهوم الذين أَجرموا ، وقوله ﴿ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ ﴾ فإِنه ناظر إِلى ظاهر قوله سيصيب والهداية هنا هداية عصمة وتوفيق مترتبة على هدى البيان ، أَى يبين لهم الحق فيؤمنوا فيوفقهم بشرح صدورهم وهو جعلها متسعة للحق قابلة له ليس فيها ما يزاحم الإِيمان من السوء . لما نزلت الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال : « هو نور يقذفه الله فى قلب المؤمن فيشرح له وينفسخ » ، فقالوا : هل لذلك من أَمارة يعرف بها ، قال : « نعم ، الإِنابة إِلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله » فشرح الصدر كناية عن تقوية الدواعى إِلى قبول الإِيمان وحلوله فى القلب وإِلى النفرة عن شأن الدنيا وذلك توفيق ، وهو ضد الخذلان ، الذى هو منع ذلك القلب فيضيق عن أَلفة الحق وقبوله فلا يتسع للإِيمان وتوابعه فيتعسر عليه ويستحيل كما يستحيل الصعود إِلى السماء ويصعب أَو يبعد عن الحق نفرة عنه ويبعد عنه كبعد الصعود إِليها ، وجملة كأَنما مستأنفة أو حال من ضمير حرجاً لقربه أَو ضمير ضيقاً لبناء الكلام عليه ، أَو مفعول ثان بعد مفعول ثان ، يتصعد أَبدلت التاء صاداً وأُدغمت فى الصاد ، وفى بمعنى إِلى ، أَو على ظاهرها أَى كأنه يعالج الدخول فى السماء بعلاج الصعود الممتنع ، والمراد ضيقاً عن قبول الحق ، والحرج الذى هو أَشد ضيقاً فهو أَخص من الضيق . وقرأَ صحابى عند عمر الاية فقال عمر : ابغونى رجلا من كنانة واجعلوه راعياً وليكن مدلجيا ، فأتوه به فقال عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال : الحرجة فينا الشجرة تكون من الأَشجار التى لا تصل إِليها راعية ولا وحشية ولا شئ ، فقال عمر رضى الله عنه : كذلك قلب المنافق لا يصل إِليه شئ من الخير ﴿ كَذَلِكَ ﴾ كما جعلنا صدره ضيقاً حرجاً ، أَو مثل القصة أَى جعلا مثل ذلك الجعل مفعولا مطلقاً لما بعده ، أَو مفعول ثانيا مقدماً لا خبر لمحذوف أَى الأَمر كذلك ، لأَنه يتعطل عنه قوله ﴿ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ ﴾ أَى العذاب فى الدنيا والآخرة ولفظ الزجاج : اللعنة فى الدنيا والعذاب فى الآخرة ، أَو الرجس الخذلان أَو الشيطان ، وأَصله الشئ القذر ، والجعل تصيير فالمفعول الثانى هو قوله ﴿ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أَو الجعل إِنقاء فيتعلق بيجعل ، والذين لا يؤمنون أَهل الضلال المذكورون ذكرهم بالظاهر ليذمهم بعدم الإِيمان ، أَو ليذكر أَنه على للرجس ، أَو المراد مطلق من لا يؤمن فيدخل هؤلاء أَولا .
افتحه في القارئ · صفحة ٩١٤