ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّاۤ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِینَ٢٣
الرسم الإملائيّ
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
الجزء ٧الربع ٥٢ صفحة ١٣٠
تفسيرها
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ ﴾ كفرهم ، ﴿ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ثم لم تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم ، وقاتلوا عليه ، إلاَّ جحوده والتبرُّء منه ، والحلف على الانتفاء من التديُّن به ؛ أو ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا ، فسمِّي فتنة ، لأنه كذب ، ويحلفون عليه مع علمهم أنه لا ينفع عن فرط الحيرة والدهشة . كما يقولون : ( ربنا أخرجنا منها ) ، وقد أيقنوا بالخلود . والفتنة ها هنا : المعذرة . وإنما يصحُّ وقوع الكذب منهم مع اطلاعهم على حقائق الأمور ، ومعارفهم الضرورية ، لما يلحقهم من الدهش والحسرة ، من أهوال ذلك اليوم وشدائده ، والمبتلى قد ينطق بما لا ينفعه من غير رويَّة وفكر في عاقبة .
افتحه في القارئ · صفحة ٨١٢
قوله : ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ ﴾ قال مجاهد وغيره : معذرتهم ، وقال الكلبي : معذرتهم وحجتهم ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوا وَالله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ . قال مجاهد : قالوا ذلك حين خلدوا في النار .
افتحه في القارئ · صفحة ٨١٢
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ثم لتراخى الزمان أَو المعنى ، أَى أَعظم أَحوالهم فى العجز عن النجاة وإِنكار الإِشراك ، والمصدر من أَن والفعل بعدها بمنزلة العلم ، وبذلك كان هو الاسم وفتْنة الخبر ، كأَنه قيل : لم يكن فتنة إِلا قولهم ، وأَنث القول بتاء تكن لتأْنيث الخبر ، والمراد بالفتنة كفرهم باتخاذ غير الله وليا ، أَى لم يكن عاقبة شركهم إِلا تبرؤهم منه ، كقولك لمن رأَيته يحب إِنسانا مذموم العاقبة : ما كان حبا منك له إِلا أَن فررت منه ، كما تجعل عاقبة الشئ عينه ادعاء ، أَو يقدر سبب فتنتهم ، ولما حذف المضاف أَنث الفعل ، وذلك أَنهم تهالكوا على حب الشرك ، أَو الفتنة للتخلص ، كقولك فتنت الذهب إِذا أَزلت رداءَته بالنار ، توهموا أَن قولهم : والله ربنا إِلخ ، معذرة صارفة لهم ، والفتنة ما يحب الإِنسان ويعجب به ، وكانوا يفتخرون بشركهم ، أَو الفتنة ما يحب لأَنهم قصدوا به الخلاص ، أَو أَنه كذب ، فقد كذبوا فى الآخرة كعادتهم فى الدنتيا ، بل بنفى الشريك ، وتأْكيد النفى بالقسم ، فذلك كذبان ، وحينئذ يختم على أَفواههم ، وتشهد جوارحهم ، ففى موطن من مواطن يسأَلون أَجمعون ، وفى مواطن لا يسأَل عن ذنبه إِنس ولا جان ، والآية ناطقة بأَن الكفار يكذبون فى الآخرة كالدنيا ، وذلك قول الجمهور ، وقال أَبو على الجبائى من المعتزلة ، والباقلانى : لا ، لظهور الأَمر وكون الكذب لا ينفعهم ، وأَجابوا عن الاية بأَن المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا أَن عبادة الأَصنام نتقرب بها إلى الله لا عبادة بالذات ، وبأَن معنى قوله :
﴿ أُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ أَنهم كذبوا فى الدنيا بأُمور يخبرون عنها بخلاف الواقع ، كقولهم : تقربنا إِلى الله زلفى ، وأَجاب الجمهور بأَنهم يكذبون فى الآخرة مع انكشاف الأَمر وعدم الانتفاع بالكذب للتحير والدهش من شدة الأَمر حتى نسوا أَو تعمدوا الكذب ، وبأَن حمل كذبوا على أَنفسهم على كذب الدنيا تعسف ، لأَن ما قبل هذا وما بعده فى شأْن الآخرة ، وأَيضا قال الله عز وجل ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون -أَى فى الدنيا- لكم ﴾ ﴿ وَضَلَّ ﴾ ذهب ﴿ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أَى كونهم مفترين ، أَو ما كانوا يفترونه من الآلهة ولو حضرت لذهاب نفعها ، وجعلت نفس المفترى مبالغة فإِن المفترى النفع ، وهذا داخل فى النظر ، عطف على كذبوا كأَنه قيل : انظر كيف ضل عنهم إِلخ . ويجوز عطفه على نقول ، أَو نحشر لأَن معناه الاستقبال ، وإِنما أَتى بصيغة الماضى للتحقق فلا يدخل فى النظر .
افتحه في القارئ · صفحة ٨١٢