سورة الأنعام · الآية ٩٠ من ١٦٥

‹ السورة السابقة
أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّاۤ أَسۡءَلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِینَ٩٠
الرسم الإملائيّ

أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ

الجزء ٧الربع ٥٥ صفحة ١٣٨

تفسيرها

[سورة الأنعام — آية 90]

﴿ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ ﴾ أي : الأنبياء الذين مرَّ ذِكرُهم ؛ ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ فاختص هداهم بالاقتداء ، ولا يقتدي إلاَّ بهم ، والمراد بـ "هداهم" طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين ، دون الشرائع والفروع والرأي والنوافل ، لأنها مختلفة ؛ فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل ، ولا يمكن التأسي بهم فيها جميعا . ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ عليَّ بتبليغ الوحي والدعاء إلى التوحيد ﴿ أَجْراً ﴾ لأنه من اللازم عليه تبليغه ، ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ ما القرآن إلاَّ عظة للجن والإنس .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٧٩

[سورة الأنعام — آية 90]

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله ﴾ يعني النبيين الذين قصّ الله ﴿ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ يا محمد . ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ أي : على القرآن ﴿ أَجْراً إِنْ هُوَ ﴾ أي القرآن ﴿ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٧٩

[سورة الأنعام — آية 90]

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ ﴾ هم الأَنبياءُ المتقدم ذكرهم ، وقيل : المؤمنون ، ولا يخفى ضعف أَن يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم : اقتد بالمؤمنين ، وإنما هم المقتدون به ، بل اقتد بالأَنبياءِ . أَخبر بالذين هدى الله إِفادة للكمال ، إِذ أَسند الهدى إِلى الله بلفظ الجلالة ، إِذ كان معناه جامع صفات الككمال ، ولا هداية فوق هداية جامعها ، ولذلك جاءَ الكلام بطريق الالتفات من التكلم إِلى الغيبة ، فإِن مقتضى ﴿ وكلنا بها قوما ﴾ أَن يقال : أُولئك لاذين هديناهم ، وفى ذلك أَيضا تمهيد لقوله ﴿ فِبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ اتبعهم فى عبادتهم وديانتهم وصبرهم وتقواهم إِلا ما نسخ فهو أَفضل منهم جملة ، وكل فرد فرد مع تعظيمه بقوله بهداهم ولم يقل بهم ، لأَنه اجتمع فيه ما تفرق فيهم مما لم يتناقض ، وليس ذلك تقليدا فى الأُصول والديانات فإِن العلماءَ اختلفوا فيه فى توحيد القلد واعتقاده أُصول الديانة بلا دليل هل يجزى وكيف يجزى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يقتدى بهم من طريق الوحى والأَدلة العقلية ، أَو المعنى : كن ودم على ما أَنت عليه فإِنك على ما هم عليه ، أَو اعتقد بالوحى منا ما اعتقدوه بالوحى منا إِليهم ، والعطف على الاسمية أَو الصلة والباء متعلق باقتده . وقدم بطريق الاهتمام وللحصر ، أَى بهداهم لا بغيره كمذهب مشركى قريش وأَهل الكتاب المخالفين للحق ، والحاء للوقف ولكنها تقرأ وقفا ووصلا عند نافع وابن كثير وأَبى عمرو وعاصم ، والدليل على أَنها تقرأ وصلا أَيضا إِجراءً له مجرى الوقف قراءَة نافع ماليه هلك بادغام هاء ماليه فى هاء هلك ، وذلك أَنه نزل القرآن بها وكتبت فى المصاحف فهى تقرا وصلا كالوقف لئلا يتخالف النزول والحظ ، وعن ابن عامر كسر الهاء بلا إِشباع وكسرها بإِشباع ، فقيل : الهاء ضمير المصدر فهى مفعول مطلق ، أَى اقتد الاقتداء ، أَو مفعول به عائدة إِلى الدرس ويردها إِسكانها ، وأَن هاءَ السكت قد تحرك تشبيها بهاء الضمير كقوله « واحر قلباه مما قلبه شبم . بضم الهاء الأُولى وكسرها ، ولا يحسن تغليظ أَبى بكر بن مجاهد ابن عامر فى قراءته ، وهاء الندبة لا تحرك للساكن وإِنما حركت تشبيها واستدل بالآية على أَن شرع من قبلنا شرع لنا ، فإِنه ولو كان لا يمكن الاقتداء بهم جميعا لاختلافهم فى الفروع ، ولكن لا مانع من اقتدائه بالفروع المحتون بها المخالف لمن قبله ، أَو بما شاءَ الله من الفروع المتناقضة ، أَو شرع لنا فيما لا يتناقض من الفروع أَو فيما ذكر الله منها مثل قوله ﴿ أَن النفس بالنفس ﴾ إِلخ ، وأَنت خبير بما مر وفى السؤالات : فإِن كان فى شريعة غير هذه ذكر شئ ولم يكن فى هذه هل يعمل به ، قال : نعم ، قال الله فبهداهم اقتده ، وقال بعضهم : كل واحد منهم وشريعته قال الله عز وجل

﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ﴾ فإِن قال : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متعبدا بشريعة من قبله؟ قال : نعم ، ما لم ينسخ ، وقيل : لا إِلا بشريعة أَبيه إِبراهيم ، ﴿ ثم أَوحينا إِليك أَن اتبع ملة إِبراهيم حنيفا ﴾ واختلف الناس فى شرع من قبلنا ، فقيل ليس شرعا لنا ، وقيل : شرع لنا إِلا ما نسخ ، وقيل شرع إِبراهيم وحده ، وقال الشيخ يخلفتن بن أَيوب : شرع إِبراهيم شرع لنا فى الحج خاصة ، وقيل : شريعة موسى شرع لنا إِلا ما نسخ باإِنجيل ، وقيل : شريعة عيسى شرع لنا ، وقيل : شريعة نوح تعبدنا بها لقوله تعالى : ﴿ وإِن من شيعته لإِبراهيم ﴾ أَى من دينه ، وقيل : من ذريته . وقيل : لم نتعبد بشئ من شرائعهم إِلا مالا ينسخ كالتوحيد ومحاسن الأَخلاق ، وإِليه يتوجه قوله تعالى : ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ . وبهذا القول يقول بعض أَصحابنا الإِجماع الأُمة أَنه ليس على المجتهد أَن يرجع ما فى الكتب المتقدمة ، ا ه كلام السؤالات ، والبعض الآخر من أَصحابنا على أَن شرائع من قبلنا شرع لنا إِلا ما نسخ بالقرآن وغيره ، ومن التشرع بشرع من قبلنا قول صاحب الوضع فى الصوم « فصل فى صوم التطوع » وروى أَن رجلا جاءَ إِلى ابن عباس إِلخ . . ﴿ قُلْ ﴾ لقومك ﴿ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ على القرآن أَو التبليغ لدلالة المقام عليهما ، وإِن لم يجر لهما ذكر ﴿ أَجْراً ﴾ من جهتكم تعطونيه ، بل أَجرى عند الله ، كما أَن الأَنبياءَ لا يأْخذون الأُجرة فذلك مما أَمر صلى الله عليه وسلم أَن يقتدى فيه بهم ﴿ إِنْ هُوَ ﴾ القرآن أَو التبليغ أَو المراد ﴿ إِلاَّ ذِكْرَى ﴾ عظة أَو تذكير لكم من الله لا أَخص به أَحدا ولا آخذ عليه الأَجر منكم كما لا يأخذه الأَنبياء قبلى ، وهو لكم من الله ، فكيف آخذ الأَجر ﴿ لِلعَالَمِينَ ﴾ الإِنس والجن كلهم من لم يكن له كتاب ، ومن كان له كتاب ، وهذا دليل على أَنه أرسل إِلى الناس كافة ، وغيرهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٧٩