[سورة البقرة — آية 232]
﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ ﴾ مطلقا ﴿ فَبَلَغْنَ ﴾ سمى مقاربة الأجل بلوغا للجوار أو للمشارفة ، أو لتسبب المقاربة للوقوع ، وتبعد الاستعارة تشبيها للدانى بالواقع ، وكأنه قيل قاربن ﴿ أَجَلَهُنَّ ﴾ الأجل مطلق اللحظة التى تلى المدة ، أو اللحظة الأخيرة من المدة ، أو نفس المدة ، والمراد هنا آخر العدة بقدر ما يراجع ، بدليل قوله ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ بالمراجعة ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ من الحقوق بلا ضرر ، وذلك تسمية للجزاء باسم الكل ، أو يقد مضاف ، أى آخر الأجل ، وظاهر بعض أن الأجل بمعنى آخر المدة حقيقة أيضا ، والأولى أنه مجاز للمشارفة أو استعارة ، تشبيها لقريب الوقوع بالواقع ﴿ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ دعوهن بلا مراجعة فيخرجن عنهم ، ويتزوجنهم برضاهن أو غيرهم ، كأنه قيل ، ابقوهن على حكم التطليق الواقع حتى يفتن ، وإذا جازت المراجعة فى آخر المدة فأولى أن تجوز قبل الأخير فلم يذكر ذلك للعلم به ، ولأن الذى يفلعونه هو الرجعة آخر العدة ضرارا ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ﴾ بالمراجعة ﴿ ضِرَاراً ﴾ أى ضرا ، أو سمى فعلها الذى كان سببا لضره ضرا للمشاكلة على عموم المجاز ، فصحت المفاعلة فتدخل من لم تضره بالأولى ﴿ لِّتَعْتَدُواْ ﴾ عليهن بإطالة الحبس ، أو بالإلجاء بذلك إلى الفداء ، كما فعل ذلك ثابت بن يسار ، كلما بقى يومان أو ثلاثة راجعها فطلقها حتى مضت لها تسعة أشهر ، ونزلت الأية فيه على ما روى عن السدى ، ولتعتدوا بدل من ضراراً ، أو علة للعلة والمعلول معا ، ويتعين هذا الوجه إذا جعلنا ضراراً بمعنى مضارين ، أو ذوى ضراء ، أو ضراراً عاقبة ولتعتدوا علة فيتعلقان معاً بلا تمسكوهن ، والمعنى لضرار ، وفى جمعها تأكيد كما فى الجمع بين قوله عز وجل ، فأمسكوهن ، ولا تمسكوهن ألا ترى أن الأمر بالشىء نهى عن ضده الذى لا ضد له إلا هو ، ولكن الأمر لا يعم الأوقات ، والنهى للتكرير ، وقيل : الضرار تطويل المدة ، والاعتداء الإلجاء ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ الإمساك المؤدى للضرار ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نفْسَهُ ﴾ بتعريضها للعقاب المترتب عليه بالضرار ، كان الرجل يطلق زوجته حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ليطيل عدتها لأنها تعتد بالأخير ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوآْ ءَايَتِ اللهِ هُزُواً ﴾ مهزوءاً بها ، أو ذات هزء بألا تعملوا بها ، وبأن تراجعوا بلا رغبة بل لإضرار ، وبأن ينكح ويطلق ويعتق ، ثم يقول ، أنا ألعب ، ونزلت الآية لذلك ، وقال صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة جدهن جد ، وهزلهن جد ، النكاح والعتاق والطلاق » ، ولفظ أبى الدرداء ثلاث ، اللاعب فيهن كالجاد ، النكاح والطلاق والعتاق ، ولفظ أبى هريرة : ثلاث هزلهن جد ، النكاح والطلاق والرجعة ، كل ذلك مرفوع ، وعن عمر عنه صلى الله عليه وسلم ، « أربع مغفلات ، النذر والطلاق والعتق والنكاح »
بالشكر والقيام بحق النعمة ﴿ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ ﴾ كالهداية ورسالة النبى صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَآ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَبِ ﴾ القرآن ﴿ وَالْحِكْمَةِ ﴾ عطف خاص على عام . والحكمة القرآن ، أى الجامع بين أنه قرآن وحكمة ، أو هى القرآن والسنة ، أو السنة ، كما قال الشافعى معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له ، كما قال ابن وهب عن مالك ، والفصل بين الحق والباطل ، كما قيل ، والإصابة فى القول والعمل كما قيل ، والموعظة كما قال مقاتل ، أعنى ، أن الآية لجميع ذلك ، وأصل الحكمة الرد وتلك المعانى ترد عن الجهل والخطأ ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ يوصيكم ترغيباً وترهيباً ﴿ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ ﴾ فهو لا يأمر إلا بما هو حكمة ويجازيكم على الموافقة والمخالفة فيما مضى من الأحكام وغيرها كالعضل فى قوله تعالى :
﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ﴾ أى أيها الأزواج ﴿ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ اللحظة بعد تمام العدة ، أى انقضت عدتهن ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ لا تمنعوهن أيها الأولياء ، وفى الآية جواز تعدد المخاطب ، بأن يخاطب ببعض الكلام غير المخاطب ببعضه الآخر فالحق الجواز إذا بان المراد ، كما جاء فى غيره هذه الآية الخطاب بالكاف للنبى صلى الله عليه وسلم ، وبالكاف والميم للأمة ﴿ أَن يَنْكِحْنَ ﴾ يتزوجن ﴿ أَزْوَجَهُنَّ ﴾ أى من كانوا أزواجاً لهن ، فذلك من مجاز الكون .
طلق عاصم بن عدى زوجه جُمْل ، وقيل جميل بالتصغير ، وأراد تزوجها بعد انقضاء العدة ورضيت ورضى أخوها معقبل بن يسار فزوجه بها ثانياً ، ثم طلقها ثانياً ، وطلبها ابن عم له بعد العدة للتزوج ، ومنعها أخوها معقل بن يسار ، وهو ابن عم عاصم أيضاً ، وحلف ألا يزوجها أبداً لأحد ، فنزلت الآية فزوجها بابن عمه الآخر ، فكفر يمينه .
وروى البخارى وأبو داود والنسائى والحاكم وابن ماجه والترمذى عن معقل بن يسار ، كانت لى أخت فأتانى ابن عم لى فأنكحتها إياه ، فكانت ، عنده ما كانت ، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت العدة ، فهوتها وهويَتْه ، ثم خطبها مع الخطاب فقلت له : يالكع ، أكرمتك بها وزوجتكها ، وطلقت ثم جئت تخطبها ، والله لا ترجع إليك أبداً ، وكان رجلاً لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، وعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه فأنزل هذه الآية ، قال : ففىَّ نزلت ، فكفرت عن يمينى ، وأنكحتها إياه ، وفى لفظ ، فلما سمعها معقل قال : سمعاً لربى وطاعة ، ثم دعاه ، فقال : أزوجها وأكرمها .
وقيل : الخطاب فى تعضلوهن للأَزواج المطلقين لهن ، فيكون المراد بالأزواج فى قوله : أن ينكحن أزواجهن ، من أردن أن يكون بعد العدة زوجا غير الأول وسمى غير الزوج زوجا لأن حبهن لأن يكون زوجا لهن سبب لتزوجهن به فكأنه من مجاز الأول ، ومن لم يشترط فى مجاز الأول التحقق ولا الرجحان ، بل مطلق الإمكان فظاهر أنه منه ، وكان أهل الجاهلية يمنعون من طلقوهن أن يتزوجن غيرهم ، ترفعا أن يطأها غيره ، وقيل : الخطاب فى تعضلوهن من للأَولياء والأزواج ، أى لا يمنعهن الأزواج المطلقون عن تزوج أزواج آخرين ، ولا الأولياء ، عن تزوج المطلقين لهن ، وقيل الخطاب للناس كلهم ، أى لا يكون فيكم عضل بمنع ولا برضاء به عن المطلقين ولا عن غيرهم ، فيكون عموم المجاز ، ويجوز كون الخطاب أيضا فى طلقتم للأَولياء والأزواج من عموم المجاز ، لأن الأولياء سبب لأنهم يعرضون لتخليص وليتهم من الأزواج إذًا ﴿ تَرَضَوْا بَيْنَهُمْ ﴾ أى الأزواج والنساء ، رضى كل منهم الآخر ، وإذا عائد إلى ينكحن ، وإن جعلنا عائداً إلى تعضلوهن فلأن التراضى معتاد ، لا لتجويز العضل إذا لم يتراضوا ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ اللائق شرعا وعادة ومروة ﴿ ذَلِكَ ﴾ المذكور من أحكام الطلاق والإيلاء واليمين ، أو ما فى السورة ، أو النهى عن العضل ، وإفراد الخطاب للعموم البدلى ، أوله صلى الله عليه وسلم ، أو تأويل الفريق الأزواج أو الأولياء ، ولا يصح ما قيل إن الكاف لمجرد الخطاب ، إذ لا خطاب بلا مخاطب ، بفتح الطاء ﴿ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ هذا بإعادة كاف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كقوله تعالى :
﴿ يا أيها النبى إذا طلقتم النساء ﴾ فى تشخيصه من عمومن لا أن نداءه وخطابه كندائهم وخطابهم ، وفى أن الكلام معه والحكم يعمهم ، ولأنه الأشد إتقاناً للأَمر المنزل من الله عز وجل ، وخص من يؤمن لأنه المتعظ ، والحكم يعم ، أو معنى يوعظ يجعل الوعظ مؤثراً فيه ، وقس على هذا فى كل ما أمكن ولو لم أذكره ، بأن تحمل الفعل على تأثيره مثل قوله تعالى : ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر ﴾ أى يؤثر إنذارك فى من اتبع الذكر ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أى ترك العضل أو العمل بمقتضى الوعظ ﴿ أَزْكَى ﴾ أنفع ، فهو من نحو الخير وزيادته ﴿ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ لكم من دنس الآثام والفتنة والخصام والريبة ، وهما من زكى طهر بتحقيقهما ، ولا داعى إلى جعلها من المشدد بحذف الزائد وأفعل خارج عن التفضيل ، أو يعتبر ما يتوهم فى غير ما وعظوا به من زكاة وطهر ﴿ وَاللهُ يَعْلَمُ ﴾ مصالحكم الدنيوية والأخروية كلها ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك إلا قليلا ، فاستزيدوا من الله العلم والعمل .