[سورة السجدة — آية 3]
﴿ أم يقُولُون افتراهُ ﴾ إضراب ابطالى متعلق بقوله : ﴿ لا ريب فيه ﴾ فانهم اثبتوا الريب فى الكتاب وقالوا : انه ليس من الله ، ونفى الله عز وجل ان يكون اهللا للريب ، اى لا ريب فى كونه منزلا من رب العالمين ﴿ بل هو الحقُّ من ربِّك ﴾ عجز البلغاء عن الايتان بسورة منه ﴿ لتُنْذر قوماً ﴾ يتعلق بمحذوف ، اى انزله لتنذر ، او بما يتعلق به من رب ، وهو استقرار الخبر او الحال ، او بتنزيل على جواز الاخبار عن المصدر قبل تمام معموله للتوسع فى الظروف ، على ان تنزيل مبتدأ باق على المصدرية ، اى لتنذر عقابا على تعدية لاثنين كقوله : وهو الرحمن الرحيم فأنذرتكم نارا ، او يقدر لتنذر بالعقاب والقوم قريش .
﴿ ما أتاهم مِن ﴾ صلة فى الفاعل ﴿ نذيرٍ من قبلك ﴾ والجملة نعت قوما ، والنذير الرسول لا مطلق المنذر ، كالعالم ، ولو غير رسول ، لان قريشا لا تخلو من منذر منهم او من غيرهم ، واما الرسول فلا رسول منهم متصديا اليهم قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وكانوا متعبدين بشرائع من قبله ، ولم يهتدوا ، وقصروا فى البحث عما تعبدهم الله به ، وعلى ان موسى وعيسى لم يرسلا الى الناس كلهم ، يكونون متعبدين شريعة ابراهيم واسماعيل ، وقد قيل : لم يزالوا عليها الى ان فشت عبادة الاصنام التى احدثها عمرو الخزاعى لعنه الله ، ولم يبق فيهم الا اقل قليل ، فدخلوا فى قوله تعالى : ﴿ وان من أمة الا خلا فيها نذير ﴾ اى منهم او من غيرهم ، وانقطع الانذار كما تقرر عنهم ، ان حكم نبوة كل نبى ينقطع الا نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم .
قلت : تنقطع ايضا عند قرب الساعة ، حتى لا يوجد من يقول لا اله الا الله ، والذى يظهر انه لا تنقطع دعوة النبى ، بل لا بد من بقاء منذر ولو قليلا فى اهل الفترات ، وقد روى ان زيد بن عمرو بن نفيل من بنى عدى من قريش ، والد سعيد ، اجتمع بالنبى صلى الله عليه وسلم قبل نبوته وآمن بنبوته قبل مجيئها ، لعلم بها حصل له ، او كان على دين ابراهيم ، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات قبل النبوة بخمس سنين ، وقريش تبنى الكعبة ، قالت اسماء بنت ابى بكر : لقد رايت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره الى الكعبة يقول : يا معشر قريش ، والذى نفسى بيده ما اصبح منكم احد على دين ابراهيم غيرى ، وكان يقول : اللهم انى لو أعلم احب الوجوه اليك عبدتك ، ولكنى لا اعلم ، ثم سجد على راحلته ، وكان يعيب على قريش ذبحهم لغير الله تعالى ، ولم يأكل مما ذبحوا لغير الله .
قال ابنه سعيد : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ان ابى كان كما رأيت وكما بلغت أفأستغفر له؟ قال : « نعم فانه يبعث امه وحده » اى انفراد فى عصره بالايمان ، وليس نبيا كما زعم بعض ، ويشكل على انه يبعث امة وحده بقبس بن ساعدة الايادى ، ولعله بقبس ، فانه مؤمن بالله ، داع الى دينه ، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات قبل البعثة وعمره ثلاثمائة وثمانون سنة ، وقيل ستمائة والله أعلم بالحقيقة .
ولا اشكال اذا اريد بقريش من كان منهم حين بعث الله عليه وسلم ، وقريس هم ولد النضر ، وقيل : ولد قصى : وقيل : ولد فهر ، وقيل : القوم فى الآية العرب قريش غيرهم ، لم يخوا من نذير ولو اسرائيليا ، ولم يتقدم منهم نبى ، وخالد بن سنان العبسى ليس نبيا عند الاكثر ، وما يروى من انه صلى الله عليه وسلم قال لابنته عجوزا « مرحبا بابنة نبى ضيعه قومه » فيه مقال ، وقيل : القوم فى الآية اهل الفتوة العرب وغيرهم ، حتى بنوا اسرائيل اى ما أتاهم نذير بعد ضلالهم رسول ، ويجوز كون نذير بمعنى انذار ، ويبعد ان تكون ما واقعة على العقاب مفعولا ثانيا لتنذر ، اى لتنذر قوما عقابا اتاهم من نذير من قبلك ، او لتنذر قوما العقاب الى اتاهم من نذير ، وممن غير زائدة ، بل للابتداء متعلقة بأتى .
﴿ لعلْهم يهْتدون ﴾ ليهتدوا بانذارك ، او حال كونك راجيا لاهتدائهم .