[سورة الأحزاب — آية 68]
﴿ ربنَّا آتِهِم ضِعْفين من العَذَاب ﴾ عذابين من جملة العذاب ، عذابا لضلالهم ، وعذابا لاضلالهم لنا ، وضعف الشىء اثنان مثله دون أن يضما إليه ، فذلك اثنان لا ثلاثة ، لأن كلا منهما ضعف الآخر أى مطابقه ﴿ والعَنْهُم ﴾ اذْمُمهم واشتمهم ﴿ لَعْنا كبيراً ﴾ وكرر النداء بالدعاء زيادة فى المبالغة بالخضوع ، حيث لا ينفع .
﴿ يا أيُّها الَّذلين آمنُوا ﴾ إيمانا ضعيفا ، أو آمنوا بألسنتهم فكانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يكن ﴿ لا تكُونثوا كالَّذين آذوْا مُوسَى فَبرأه الله ممَّا قالُوا ﴾ أى قالوه ، ومن العجيب أنهم يذكرون حواز جعل ما مصدرية ويأولون المصدرى بالمفعول مع أن ذلك المفعول هو نفس الموصول الاسمى ، فليبق ما على ظاهرها من الموصولية الاسمية ، ويقدر لها رابط ، وإنما يصار الى المصدرية حيث يكون حذف الرابط على خلاف القياس ، نحو : أجبنى ما مررت ، اى ما مررت به . فيعد الى المصدرية بلا تقدير رابط ، أى مرورك أو نحو ذلك من المواقع .
وذلك أنهم آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تزوجه بزينب بنت جحش ، وهو برىء مما يعدونه سوءا فى تزوجه بها ، لأنها كانت زوج ابنه زيد ، وفى زيد ، كما أن موسى عليه السلام أوذى بما لم يكن ، فبرأه الله ، أى أظهر براءته ، وإنما فسرت برأ باظهر براءته ، لأن ما عيب به ليس فيه ثم أزاله الله ، وقيل برأه الله بمعنى قطع ما قالوه عنه ، بأن نفاه فلما نفاه علموا أنه لم يكن قط ، ولا إشكال فى هذا ولا بحث كان حييا يستر بدنه فقال بنو اسرائيل : ما حافظ على الستر إلا لكونه أبرص ، أو لانتفاخ بيضته أو لآفة ، وكانوا يغتسلون عراة ينظر بعض بعضا ، فوضع ثوبه على حجر ليغتسل وحده ، فاغتسل فمر به الحجر فاتبعه يقول ثوبى حجر وهو عريان حتى رأوه سلما عن البرص والآفات ، فقالوا : والله ما بموسى من باس فأخذ ثوبه فلبسه ، فطفق يضرب الحجر ، رواه البخارى والترمذى وأحمد ، عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال أبو هريرة : والله إن بالحجر ندبا ستة أو سبعة من ضرب موسى الحجر ، والندب بفتحتين على الأصح ، وقيل بالسكون أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد شبه أثر الضرب فى الحجر كما مر ، ويروى ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا ، والمعنى دع ثوبى يا حجر ، وأخرج الطبرى والحاكم ، عن ابن عباس ، عن على موقوفا : أنه صعد الجبل مع هارون فمات فقالوا : قتلته حسدا لأنه أشد حبا لنا وألين ، فأمر الله الملائكة فحملوه فمروا به على بنى اسرائيل يقولون : مات بلا قتل فدفنوه وأخفى الله قبره ، ولم يعرفه إلا الرخم ، فأصمها الله وأبكمها كذا يقال .
وعن ابن عباس وغيره : أوحى الله الى موسى أنى متوف هارون فأت به جبل كذا ، فانطلقا نحو الجبل ، فاذا هما بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيب ، فقال : يا موسى إنى أحب أن أنام على هذا السرير ، قال : نم ، قال : نم معى ، فمات فرفع على السرير الى السماء ، أكثروا القول صلى ركعتين دعا الله عز وجل ، فنزل على السرير حتى رأوه فى الهواء فصدقوه .
وروى أن قارون أرشى زانية بمال عظيم أن ترميه بنفسها فأخبرتهم ، ويبعد هذا القول بصيغة الجمع ، إلا أن يقال إنه لرضا قارون وأتباعه ، وقيل : رموه بالجنون والسحر ، وقيل المراد قولهم : ﴿ اذهب أنت وربك ﴾ وقولهم : ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ وقولهم : ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ وغير ذلك مما يتأذى به ، ولا مانع من حمل الآية على ذلك كله .
﴿ وكان عنْدَ الله وجيهاً ﴾ ذا منزلة ، ورفعة قدر ، وقبول مستجاب الدعاء كليم الله .