[سورة الأحقاف — آية 15]
﴿ ووَصينا ﴾ التوصية والايصاء التقدم الى أحد بما يعمل به ، مقترنا بوعظ وتأكيد ﴿ الانسان ﴾ الجنس او الاستغراق حتى يشمل الصبيان ، فانهم موصون بالأعمال الصالحة ، ويثابون عليها ، ولا يعاقبون على شىء ، وكل طاعة أمر بها أو معصية نهى عنها فان الطفل داخل فيها إلا أنه لا يسمى فعله فسقا أو كفرا أو فحشا ، ووجه دخوله أن الأمر يكون للندب ، كما يكون للوجوب فقد يجوز الجمع بينهما بلفظ واحد ، فيدخل الطفل ، فيكون فى حقه للندب ، وفى حق المكلف للوجوب ، وكذا المحروم هو كراهة فى حق الصبى ، وهذا أولى فى الزجر والمحافظة على حقوق الوالدين ، والمتبادر الجنس ، وكثير ما يكون الشىء عاما ، والمقام ليس لذكر الاستغراق ، فيحمل على الجنس .
﴿ بوالديْه ﴾ أبيه وأمه ، ولو مشتركا اذا حكم الشرع بالشركة فى الولد ﴿ إحْساناً ﴾ اسم مصدر هو الاحسان مفعول به لوصينا لتضمنه معنى ألزمنا أو مفعول مطلق لتضمن حسنا معنى ، وصينا أو وصينا معنى أحسنا أى احسنا بالوصية للانسان بوالديه احسانا أو لتقدير وصينا الانسان ايصاء ذا حسن ، وقيل : وصينا الانسان أن يحسن بوالديه احسانا ، ولا يعلق الجار بحسنا بعده ، لأنه مصدر مقصود به ، أن والفعل ، وأما قوله تعالى : ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة ﴾ فليس على معنى لا يأخذكم بهما أن ترأفوا فيجوز التعلق به ، وأما ﴿ ولما بلغ معه السعى ﴾ فمع متعلق ببلغ ، والقاعدة التصرف فى الظروف والجار والمجرور لاحتياج الأشياء اليها ، فيقاس فيما لا ينحل الى حرف المصدر والفعل ، ويتوقف مع السماع فيما ينحل ، واذا عدى الحسن بالباء فهى للالصاف ، والآية نزلت فى الصديق رضى الله عنه ، الى « يوعدون » أسلم هو وأبواه كابن عمرو ، وأسامة بن زيد ، وعبد الله بن عمروا بن العاص ، وإنما ألم والد أبى بكر بعد الفتح والآية مدنية ، وقد قيل : قوله تعالى : ﴿ رب أوزعنى ﴾ الخ بالنسبة الى أبويه دعاء بتوفيقهما للايمان .
وروى أن أبا بكر صحب النبى صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانى عشرة سنة وروسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين فى سفر الى الشام فى تجارة ، فنزل تحت سمرة فقال له الراهب : انه لم يستظل بها أحد بعد عيسى غيره صلى الله عليه وسلم ، فوقع فى قلبه تصديق الراهب ، فام يكن يفارق النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر ، ولا حضر ، فلما بعث صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة آمن به ، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ، ولما بلغ أربعين قال : ﴿ رب أوزعنى ﴾ الخ .
﴿ حملتْه أمُّه كرهاً ﴾ ذات كره ، أو حملا ذا كره أو مكروها لا بالذات بل من حيث المشقة ، فانها فى المشقة من حين ينتن فى البطن ، وصار علقة الى أن يولد ، وذلك مشقة النتن ، ومشقة كراهة بعض الأطعمة وثقله وتحركه ﴿ ووضَعتْه كرهاً ﴾ لمشقة الولادة ، ويقال أيضا بضم الكاف كما هو قراءة بعض ، ومعناهما واحد ، وقيل المفتوح مصدر بمعنى الحدث ، والمضموم اسم للحاصل من المعنى المصدرى ، وقيلك المفتوح المشقة التى تنال الانسان من غيره باكراه ، والله سبحانه وتعالى قهرها على الحمل والولادة الشاقين ، والكره ما يناله من ذاته ، وهو ما يعافه بالطبع والعقل أو الشرع .
﴿ وحَمْله ﴾ العلوق وما بعده ﴿ وفصاله ﴾ أى مدة حمله وفصاله ، وهو الفطام والمفاعلة على بابها ، وهو انفصال بينه وبين أمه فصلته وفصلها ، وكل منهما فاصل الآخر ، والاضافة للفاعل ، وقيل : خارجة عن بابها بمعنى فصلته عنها كما قرأ أبو رجاء والحسن وغيرهما ، وفصله أى وفطمه والاضافة للفاعل ، وقيل : الفصال فى الأصل المصدر ، والمراد الزمان ، وهو وقت الفطم ، وهو معطوف على مدة المحذوفة ، لكن ناب عنها حمله ، والفصال الرضاع التام الذى يعقبه الفطم ، وذكر المشقة والرضاع حضا على برّ الأم والاحسان اليها ، كل الاحسان لما تلقاه من الألم .
قال رجل : يا رسول الله من أبر؟ قال : « أمك » قال : ثم من؟ قال : « أمك » قال : ثم من؟ قال : « أمك » فذلك ثلاث مرات ، قال : « ثم أباك » وذلك دليل على أن الأم أعظم حقا ، وكذا ذكر مشافها فى الآية دليل على ذلك ثلاثا كما أفصح به الحديث عن الآية ، ولم يذكر مثل ذلك للأب بل ذكره فى المرتبة الرابعة من الحديث ، والجمهور على أن مدة الحمل ألقها ستة أشهر ، لأن من ثلاثين شهرا سنتين للرضاع ، كما قال الله عز وجل : ﴿ حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ فيبقى منها للحمل ستة أشهر ، وبه قال على وابن عباس ، والأطباء ، وشاهد جالينوس وابن سينا ولادة امرأة على مائة ليلة وأربع وثمانين ليلة ، وأما أكثر مدة الحمل فليس فى القرآن ما يدل عليها ، وقد ولدت امرأة ولد الأربع سنين من حين الحمل ، قد نبتت أسنانه وأزمنة حمل الحيوان أكثر ضبطا من زمان حمل المرأة ، فقد تضع لسبعة أشهر ، وقلما يحيا ما وضعت لثمانية الا فى بلاد معينة كمصر ، ولو ولدت امأرة لأقل من ستة أشهر أى تحرك فى بطنها لأقل من أربعة أشهر ، من حين النكاح ، كان ولد زنى فترجم إلا إن كان زوج قبلها ، فيلحق به ، ولا يرجم .
ومن أرضعت بعد حولين فليس برضاع موضع للحرمة ، وقيل رضاع ان كان قويا مغذيا ، وقيل : رضاع مطلقا وان أرضعت من له أكثر من حولين ، فليس محرما لها ، وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرا قال ابن عباس : اذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت واحدا وعشرين شهرا ، واذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا ، وعن أبى حنيفة : المراد فى الآية الحمل بالأكف .
﴿ حتى إذا بَلَغ ﴾ عاش حتى اذا بلغ ﴿ أشدَّة ﴾ قوة عقله وبدنه ، وقيل قمانى عشرة سنة الى اربعين ، وذلك قوته الشديدة ، وقيل تشتد قوته وعقله اذا زاد على ثلاثين ، وناصح أربعين ، وعن قتادة : فى ثلاثة وثلاثين ، فيقال : أول الأشد ما ذكر ، وتمامه أربعون وهو اسم جمع ، وعن سيبويه جمع شدة .
﴿ وبَلَغ أربعين سنَةً ﴾ عطف تفسير فسر بلوغ الأشد ببلوغ أربعين سنة ، والأولى أنه غير بلوغ الأشد ، فهو منا قبل أربعين فى قرب منها ، وتكمل القوة عقلا وبدنا بتمام أربعين ، وكذلك كان غالب النبوة على تمام أربيعن قلت : النبوة قبلها كما قيل فى يحيى وعيسى أنهما نبيان فى زمان الصبا قال الله تعالى : ﴿ إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيا ﴾ وقال : ﴿ وآتيناه الحكم صبيا ﴾ وقيل هذا اخبار عما سيحصل لهما على تمام الأربيعن ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « ان الله يجر يده على وجه من زاد على أربعين ولم يتب ، ويقول بأى وجه لا يفلح » أى متعجبا من عدم فلاحه مع بلوغ أربعين ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « من أتى عليه أربعون سنة ، ولم يغلب خيره شره فليتجهز الى النار » .
﴿ قال ربِّ ﴾ يا رب ﴿ أوزعْنِى ﴾ حضضنى ﴿ أن أشْكر ﴾ على أن أشكر ﴿ نعْمتك التى أنعَمتَ علىَّ وعَلى والدىَّ ﴾ من الايجاد ، وصحة البدن العقل ، ودين الاسلام ، نزلت فى أبى بكر وقد أسلم هو ووالده ، وهى على عمومها فيمن يقول ذلك ، وفيمن نعمة والديه نعمة الدنيا والدين ﴿ وأنْ أعْمل صالحا ﴾ فريقا كثيرا من العمل الصالح ﴿ ترضاهُ ﴾ بأن لا يخالطه اهمال أو رياء أو خلل أو عجب ، وغير ذلك مما يفسده أو ينقصه ، والرضا القبول ، وقيل الرضا الغواب تسمية بالملزوم ، والسبب باللازم والمسبب ، وفسره بعض بالارادة ، ولا يصح إلا أن عنى بالارادة ، الحب .
﴿ وأصْلح لى فى ذرِّيتى ﴾ اجعل الصلاح راسخا فيهم ، نزل أصلح منزلة اللازم فعدى بفى للدلالة على الرسوخ فيه ، وزعم بعض أن المراد ألطف بى فى ذريتى ، أجاب الله دعاء أبى بكر رضى الله عنه ، فأعتق تسعة من المؤمنين ، يعذبون فى الله تعالى ، منهم : بلال وعامر بن فهيرة ، ولم يرد شيئا من الخير الا أعانه الله تعالى عليه ، ودعا أيضا فقال : أصلح لى فى ذريتى ، فلم يكن له ولد إلا آمن ، فاجتمع له اسلام أبيه أبى قحافة ، وعثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو وأولاده ، أدرك أبوه وولده عبد الرحمن ، وولد عبد الرحمن ، واسمه محمد ، وكنيته أبو عتيق ، النبى صلى الله عليه وسلم ، وآمنوا به ، ولم يجتمع لغيره من الصحابة ذلك أسلم هو أبواه وبنوه وبناته وولد ولده ، زاد عليه النبى بعامين أوحى اليه على أربعين عاما ، وآمن به أبو بكر وهو ابن ثمان وثلاثين ، والآية فى سعد بن أبى وقاص عند بعض ، وصحح أنها فى أبى بكر ، وقيل : على العموم .
روى أنه صاحب وهو ابن ثامنى عشرة النبى صلى الله عليه وسلم ، وهو ابن عشرين سنة فى تجر الى الشام ، وقعد فى ظل سدرة ، ومضى أبو بكر الى راهب يسأله عن الدين ، فقال : من فى ظل السدرة؟ فقال : هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، فقال : هذا والله نبى ، ما استظل بعد عيسى تحتها أحد الا هذا ، وهو نبى آخر الزمان ، وصدقه أبو بكر ، فكان لا يفارق النبى صلى الله عليه وسلم ، فى حضر ولا سفر { إنِّى تُبتُ إليْك من كل حرام ، وكل مكروه ، ﴿ وإنِّى مِن المُسْلمين ﴾ المخلصين أنفسهم لك .