[سورة محمد — آية 31]
﴿ ولَو نَشاءُ ﴾ إراءتك اياهم ضمير العظمة هنا ، وفيما بعد على طريق العناية بالارادة ، وكأنه وعده الارادة والا فلو للامتناع ، ويدل على الوعد قوله تعالى : ﴿ ولتعرفنهم فى لحن القول ﴾ فعن أنس : ما خفى عنه لحن منهم بعد نزول : ﴿ فلتعرفنم فى لحن القول ﴾ وعرفهم بسيماهم ايضا ﴿ لأرينْاكهم ﴾ عرفناكهم ، أو أريناكهم بعينيك ﴿ فَلتعرفتكهم ﴾ الفاء للعطف والتفريع ، واللام صحت لأجل العطف على جواب لو المقرون باللام ، كررت للتأكيد ، وكأنها فى جواب لو ، لأن المعطوف على الجواب جواب ، والاراءة بمعنى التعريف ، ولا يلزم فى الجملة من التعريف حصول المعرفة ، فقد يكون منك تعريف لأحد بشىء ولا يعرفه ولا يقيده تعريفك ، فزاد الله تعالى قوله : ﴿ لتعرفنهم ﴾ فلو شاء الله تعالى لم يعرفهم ، ولو جعل لهم سيما ﴿ بِسِيماهُم ﴾ علامتهم ، والمراد الجنس اضافتها للجنس ، وكأنه قيل بعلامات نسمهم بها ، وأرفدت اشارة الى أن علاماتهم متحدة الجنس ، كأنها شىء واحد .
﴿ ولتعْرفنَّهم ﴾ فوالله لتعرفنهم ، القسم وجوابه جملة انشائية معطوفة على خبرية ، هى لو وشرطها وجوابها ﴿ فى لحْن القَول ﴾ الاضافة للجنس ، وكأنه قيل فى طرف القول اذا جاءوك بواحد فهمته ، أو لحن القول الطريق المائلة عن الطريق المعروفة ، كالتعريض والكناية ، والابهام المائلات عن التصريح ، كما يسمى الخطأ فى النطق من حيث الاعراب عنك ، ويخفى عن غيره لنحو البلاغة فى العبارة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض » وقيل : لحن القول هنا الذهاب عن الحق ، ويقرب منه قول ابن عباس : اللحن القول هنا مالنا من الثواب ان أضعنا ، ولا يقولون ما علينا من العقاب ان عصينا ، والصواب أن يقولوه ولم يقولوه لشدة رغبتهم فى ما ينفعهم من الخيرات ، ولكثرة ما يذكر من عقابهم فى القرآن ، وقلة ما يصرح له به لكم كذا ان فعلتم كذا .
وتفسير اللحن بالميل أولى وهو الأكثر فى الكلام ، كما فسر به أولا ، كما قيل : انهم يصطلحون على ألفاظ يخاطبون بها النبى صلى الله عليه وسلم ، مما ظاهره حسن غير مراد ، بل أرادوا بحا أو غيره مما ليس حسنا ، ومن ذلك قولهم ، اذا دعوا إلى النصر : انا معكم ، فيريدوا انا معكم الساعة ، أو فى المدينة ، أو معكم فى القتال بلا اعانة ، والسيمة بالكتابة ، قال أنس : كنا فى غزوة ومعنا تسعة من المنافقين يشكوهم الناس ، فأصبحوا ، وفى وجل كل واحد مكتوبا هذا منافق ، ولا تختص السيما فى الآية بالكتابة ، بل تعم كل ما يعلم به فى أحواله ، وفى حديث مرفوع : « اتقوا فراسة المؤمن فانه ينور الله يبصر » ولفظ البخارى والترمذى ، عن أبى سعيد : « اتقوا فراسة المؤمن فانه يبصر بنور الله عز وجل »
والتعريض بالقذف لا يوجب حد القذف ، كقولك : أنا لا أزنى تعريضا لفلان أنه يزنى ، والآية لا تدل على الحد به ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ خطاب للمؤمنين بالجزاء على أعمالهم الحسنة ، أو للمنافقين بالجزاء على اعمالهم القبيحة ، والأولى عمومهم فهو وعد ووعيد ، كما يدل له قوله تعالى :
﴿ ولنَبلونَّكُم حتَّى نعْلم المجاهدين مِنْكم والصابرين ونَبْلو أخْبارَكُم ﴾ والبلاء الأمر بما يشق كالجهاد ، والصبر هو الصبر على مشاق التكليف ، أى حتى نعلم الجهاد والصبر واقعين بعد علمهما فى الأزل ، وبعده أنهما يقعان أو لا يقعان ، كأنه قيل : حتى يظهر علمنا ، والشىء لايعرف أنه وقع حتى يقع ، ومن قبل وقوعه علم الله أنه سيقع لأنه وقع ، أو العلم هنا عبارة عن لازمه ومسببه وهو الوقوع منهم وقوع الجهاد والصبر ، ومعنى : ﴿ نبلو أخباركم ﴾ نظهر حسنها وقبيحها ، وحسن الخبر وقبحه على حسب المخبر عنه ، والمراد عموم الاخبار ، فيدخل فيها الاخبار أو لا عن الايمان ، وموالاة المؤمنين ، وقيل الاخبار عن ايمان ، وأن الإضافة للعهد .