النية الخالصة لناصر الجضمي
الجزء ١ · صفحة ١٥بل لو كان النية لا تدرك أو لا تستحضر إلا بالتلفظ لهلك الناس لما قد يصيبهم من الهوس من فرط حرصهم على الإتيان بها في كل حركة وسكنة وذلك لأنهم سيجدون أنفسهم قد تحركوا بلا نية أو سكنوا بلاها، وهذا لا ريب يشكل على الإنسان أيما إشكال وبهذا نعلم ونرى رحمة الله تعالى لنا في تشريعنا – أي النية – علينا لفترات وجيزة لدى أدائنا للعبادات المعنية المشروعة لأن الله أدرى وأعلم بتقلبات قلوب البشر فهل من مدّكر؟ أولم تر أننا نسمي بعض الصلوات صلوات جهرية وبعضها نسميها سرية وإنك لتعلم تماما كيف تؤدى كل منها وتلاحظ كذلك أن النية أسرّ وأكتم من تلك الكيفية أو الطريقة التي يؤدى بها ذلك النوع من الصلوات السرية منها، ولا ريب أن من ينطق بالنية على قصد التأكيد لها لا يفرق بين تمتمته بالنية وتمتمته بالصلاة السرية بل يجعلهما سواء حين أدائه لها. ثم كيف يزعم أحد أن التلفظ بالنية تأكيد لها مع أنه غير مشروع أصلا، مع ما في هذا الزعم من تناقض لغوي أو خلط كما سبق لأن النية إنما تتأكد بالإغراق في توجيه القلب أو النفس إلى ما ينوي فعله.
ولعلك على علم بأنك إذا توضأت لصلاة الظهر مثلا جاز لك أن تصلي به صلاة العصر حين يأتي وقتها إن لم ينتقض، فإذا كنت تعتقد هذا، فإنني سائلك سؤالا: هل عندما كنت تتوضأ استحضرت هذه النية؟ أو على رأي من يقول بالتلفظ بها هل نطقت بها على أنها لصلاة الظهر والعصر معا؟ أظن أن جوابك هنا بالنفي. وإذا كان كذلك فانتبه، ذلك لأن الحاصل على التحقيق أن وضوءك لصلاة العصر إنما يتأكد أو تنعقد نيته بوجهين وقد يصاحبهما وجه ثالث أما الوجهان فهما:
- الوجه الأول: استحضار النية وقت التوضؤ بكون هذا الوضوء لصلاة الظهر ، وإذا لم ينتقض فهو لصلاة العصر كذلك.