النية الخالصة لناصر الجضمي
الجزء ١ · صفحة ٢٢من المعلوم أن السر هو ما تكتمه وتخفيه بحيث تستأثر به في علمك وتحتفظ به في قرارة قلبك وطوايا صدرك، أو تطلعه أحدا من خلق الله تعالى. وكذلك من المعلوم أن الكتم معناه الستر والإخفاء ، ويعلم أن اختفاء الشيء يعني تستره وتواريه، حتى أن الخفاء بمعنى الكساء والغطاء وكذلك بمعنى الرداء الذي تلبسه المرأة فوق ثيابها فيخفي ما تحته من الثياب، ثم إنه مما لا يخفى على من له أدنى ذوق في المعاني أن كلمة النجوى لا تعني سوى إسرار الحديث.
هذا، وإنك لا تفهم من قول عمرو إذا قال: خفت زيد يخفت بصوته خفتا وخفوتا وخفاتا إلا بمعنى خفضه وأسرّه وأخفاه (1) وكذا خافت بصوته (مخافتة) أي خفّضه (2) قال تعالى: (( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها )) (3) أي: لا تجهر يا محمد بقراءتك في الصلاة فيسمعك المشركون فيسبّوا القرآن ومن أنزله، ولا تسرّ بقراءتك بحيث لا تسمع من خلفك (4) وكذلك كلمة همس فإنك إن قلت همس زيد إلى عمرو همسا فإننا نفهم منه أنه تكلم معه كلاما خفيا لا يكاد يفهم، فهذه طائفة من كلمات متقاربة المعنى وهي أقرب إلى بعضها بعضا ترادفا، بيد أن كلها مجتمعة أو متفرقة لا تعني النية وهي تدور في دائرة السر والإخفاء.
ولئن كانت النية تعني استحضار ما تقصده في قلبك أو إلى قلبك دون إشعار اللسان بذلك فإن هذه الكلمات السالف ذكرها لا تكتمل صور معانيها إلا بإذن من اللسان. وإذا كان عماد هذه الكلمات أو عمودها الفقري هو الإغراق في سترها وإخفاءها حين التلفظ بها فإن غمد النية هو القلب ووتدها هو شحذ القلب وتشميره لما ينوي له.