أ 21 الإخلاص روح العبادة
الجزء ١ · صفحة ٢٢والعاقل يحرص كل الحرص على منفعته، ومنفعة الإنسان إنما تتوقف على الإخلاص، وبهذا يتبيّن أنّ الرياء في الأعمال إنما يرجع إلى فساد الفطرة، وإلى انطماس البصيرة، ذلك لأنّ العاقل يرى أنّ هذا الكون مسخر بأمر الله، فالله وحده هو المقدِّم والمؤخِّر فيه، والله وحده هو الذي يُوجِد المعدوم ويُعدِم الموجودَ فيه، الله - سبحانه وتعالى - وحده هو الذي يبسط النَّعماء ويدفع الضراء، الله تبارك وتعالى وحده هو الذي يحقق للإنسان مطالبَه ويستجيب دعاءَه ويعطيه سُؤُلَه، فإذن لماذا يتعلق بعمله-عندما يعمله-بغير الله تعالى ؟! لو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن ينفعوا أحدا من الناس لم ينفعوه إلا بشيء كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء كتبه الله عليه، ولو أنّ أهل السماء والأرض اجتمعوا على الثناء على أحد من الناس وهو عند الله تعالى مرفوض لما أفاده ذلك شيئا، ولو أنهم جميعا اجتمعوا على ذمّه والقدح فيه والحطّ من شأنه فإنّ ذلك لا يضره عند الله تبارك وتعالى إن كان مقبولا عند الله؛ وعلى هذا فعلى العبد أن يبتغي بعمله وجه الله تبارك وتعالى لأجل مصلحة نفسه، إذ مصلحة نفسه إنما تُناط بالإخلاص لله تعالى؛ فلو أنّ أحدا من الناس أراد بصلاته أو بصومه أو بزكاته أو بحجّه أو بجهاده أو بِبِرِّه لوالديه أو بصلته لأرحامه أو بتعلمه العلم أو بتعليمه أو بالدعوة إلى الله أو بنفقاته في سبيل الله، أو بأيّ عمل من الأعمال التي يُتقرب بها إلى الله - عز وجل - غرضا من أغراض هذه الدنيا فإنّ ذلك الغرض لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة الله، لا يمكن أن يتحقق إلا بقدَرٍ من الله، فلماذا يَطلب الشيء من غير بابه ؟! إنما عليه أن يعمل العمل الخالص لله، ويطلب من الله تبارك وتعالى قضاء حاجاته، ويجعل ذلك العمل طاعة لربه سبحانه، لا يبتغي عليها [ من غيره تعالى ](1) جزاءً ولا شكورا، وإنما يحرص كل
(1) -أضيف " من غيره تعالى " للتوضيح.