إعادة صياغة الأمة - كتاب لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٣٦ولا ريب أنكم تدركون أن فكر الإنسان هو مصدر استقامته أو انحرافه، وهداه أو ضلاله، فبقدر ما يكون عليه الفكر من الهدى بحيث يكون نابعاً من أصل سوي تكون استقامة الإنسان في سلوكه، وبقدر ما يكون بخلاف ذلك يكون أيضاً انحرافه، ومن أجل ذلك أرسل الله سبحانه وتعالى رسله، وأنزل كتبه من أجل تنظيف فكر الإنسان من الدخيل الذي لا يتفق مع الحقيقة ولا ينسجم مع الفطرة، وقد أرسل الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم على حين فترة من الرسل بعدما استبدت الأهواء بالناس، وتشعبت بهم المسالك، وتفرقت بهم الطرق، وكانوا في أفكارهم وتصوراتهم وفي سلوكهم ومعاملاتهم متباينين تمام التباين، وأكثرهم لم يكونوا على شيء من الهدى إلا من كان مستمسكاً بالكتاب الذي أنزل من قبل، ولم يفرط في المحافظة عليه، ولم يحرف شيئاً مما جاء به، أولئك الذي قال الله سبحانه وتعالى فيهم (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون.. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) القصص: 52-53 وكان من بين أولئك الذين استمسكوا بالفكر الصحيح الحنيفيون الذين حرصوا على اتباع الحنيفية، وحرصوا على عقيدة التوحيد والبعد عن الضلال، وسائر الإنسانية تتسكع في الظلمات، وتهيم في أودية الضلال، لا تفرق بين حقيقة وخيال، ولا بين حق وباطل، لأنها لم تكن على بينة من أمرها، ولا على بصيرة من ربها فلذلك ضل فكرها ذلك الضلال البعيد، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تنظيف الفكر من كل ما علق به من الأوهام والضلالات والخيالات التي سلكت بالناس مسالك متعددة في الانحراف عن طريق الحق.
وقد ترك النبي صلوات الله وسلامه عليه الناس على المحجة البيضاء الناصعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولكن هل بقي هذا الفكر على نصاعته ووضوحه وظهوره للناس؟ ! أو أن هذا الفكر أصيب بكثير من اللوثات التي انحرفت به ذات اليمين وذات الشمال.