إعادة صياغة الأمة - كتاب لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٥ولا ريب أن مثل هذه المعتقدات أخذت تنخر في جسم هذه الأمة نخراً، وليس ذلك وليد اليوم والأمس، وإنما منذ بدأ هذا الانحراف، حتى أصبح مفهوم الإيمان عندها مفهوماً نظرياً شكلياً لا أثر له في الحياة، كأنما الناس تعبدوا بأن يعتقدوا أن هذا كذا وهذا كذا، وألا يتأثروا بهذا المعتقد في حياتهم، ومن غريب ما يذكره الإمام محمد عبده أن أحد الكبراء في وقته كان يقول: "أنا لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني والحمد لله مسلم أدين بأن الربا حرام! " أي تناقض هذا؟ ! يعتقد أنه يكفيه اعتقاد أن الربا حرام، ولئن اعتقد ذلك فحسبه هذا المعتقد سبباً لنجاته من النار! !. قال الإمام محمد عبده تعليقاً على ذلك: وقد فات هذا أنه يلزمه بناء على هذا المعتقد أن يعتقد أنه من الذين يحاربون الله ورسوله، وأنه من أهل الوعيد على أكل الربا.
ولكن بما أن هؤلاء الناس يعتقدون أن الوعيد يطرأ عليه التبديل والتغيير بسبب عفو الله سبحانه وتعالى كما قالوا: (إذا وعد وفى وإذا توعد عفا)؛ فإنهم لا يرون لهذا الوعيد أثراً في سلوكهم؛ فلذلك يجترئون على محارم الله تعالى غير مبالين بها.
ونرى أن تفريغ الإيمان من معناه الحقيقي وهو الأثر على هذه النفس البشرية حتى تكون مطيعة لأمر الله سبحانه وتعالى يؤدي بالناس إلى أن يحكم كل أحد منهم هواه ولا يبالي بمصالح الآخرين، فهذا ينتهز الفرصة ليعتدي، وذاك يتحين الوقت من أجل أن يحتال، فكل واحد منهم لا يشتغل إلا بمصلحة نفسه، بخلاف ما إذا كانت العقيدة راسخة أن كل واحد مجزي بعمله (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون)القصص: 84، فهذا المعتقد هو الذي يجعل الأمة متواصلة الحلقات وقوية.