إعادة صياغة الأمة - كتاب لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٥٩ولئن كان الله تعالى خاطب أهل الكتاب بقوله (يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل) المائدة: 68 فإن أمة القرآن ليست على شيء حتى تقيم تعاليم القرآن، فلذلك أدعو هذه الفئة من المؤمنين التي تلقت المعارف أن تحرص على التطبيق الدقيق لما تلقته؛ حتى يتجسد العلم في سلوكها وأخلاقها وأعمالها، فتكون أخلاقها مثالية تنجذب إليها الأفئدة وتتعطش إليها النفوس حتى تسري في عالم اليوم.
ونحن نرى كيف كان السلف الصالح رضي الله عنهم يتحلون بالأخلاق التي تحدثت بها الأمم وصار الناس ينجذبون إليها وإلى أصحابها، مع أن ذلك العصر كان عصراً بدائياً إذا ما قيس بهذا العصر من حيث الوسائل والطاقات، فالله تبارك وتعالى فتح الآفاق لأبناء هذا العصر، فبإمكانهم أن ينقلوا كلمة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى عبر وسائل مختلفة لتصل إلى آفاق الأرض، فقد يتحدث الإنسان وهو داخل بيته بين جدران أربعة وإذا بالعالم ينصت لما يقوله، في حين إنه في ذلك العصر كانت الكلمة تتناقلها الأفواه، وكانت وسيلة الانتقال وسيلة بدائية، ومع ذلك دخل الناس في دين الله أفواجاً، وإنما كانت الأخلاق هي التي تسري في نفوس الناس لتجتذبها اجتذاباً إلى الخير.
والرعيل الأول الذين حملوا أمانة هذه الدعوة وقاموا بواجبها لم يكونوا على معرفة باللغات، فلم يدرسوا لغة الروم ولا لغة الفرس ولا لغة غيرهما، وإنما كان تمثل الإسلام في أخلاق أهله وتطبيقهم لتعاليمه وقيمه هو الذين يجتذب تلكم النفوس إلى الإسلام؛ فدخل الفرس والروم وشعوب كثيرة في دين الله مع عدم معرفتهم باللغة التي يتخاطب بها الدعاة، وإنما رأوا الدعوة واضحة جلية في سلوك الداعين وأعمالهم، فكانت أعمالهم ادعى إلى الحق من أقوالهم.