الأعمال الكاملة لبدر العبري (ج5) بدر بن سالم بن حمدان العبري

الأعمال الكاملة لبدر العبري ج5

الجزء ١ · صفحة ٧٢

والأصل في السابق أنّ القرى البشرية صغيرة، يكشف الصادق فيها من الكاذب، أما وقد أصبح العالم قرية واحدة، واختلط الناس، وصعب معرفة المحق من المبطل، كان الإسلام مشرعا للنظام، ومؤسسا للوحدة الجماعية بين أبناء الأمة، جاعلا عنصر المساعدة عنصر دعم للعمل، لا عنصر مهنة واتكال، لذا كان من منهجه صلى الله عليه وسلم وهو يؤسس مسجده بالمدينة المنورة أن جعل للمسجد هيئة وجماعة تنظر في أحوال الناس، فتجمع الصدقات، وتوصلها إلى من يستحقها، مع عدم جعلها أداة لكسل وخمول الناس، لذا الشاب القادر غير المنهك بدين ولا مرض يعيقه عن العمل لا يعطى منها، وقد يعطى البعض كفتح باب للرزق لا للكسل، لذا منع عليه الصلاة والسلام ظاهرة التسول وهو القائل: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم".

وقد كانت الجماعة التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم تشرف بنفسها على الجماعة المسلمة، فقد يأتيها سائل فتنظر في أمره، وتعلم أنّ في الجماعة المسلمة محروما تمنعه نفسه من السؤال فتبحث عنه، أما تشويه المساجد خاصة، وأماكن الناس عامة بمثل هذه الظاهرة السيئة فكان عليه السلام أشد نكيرا لها، وعلى هذا جرى أصحابه رضوان الله عليهم، فهذا ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: "إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق ألّا يعطى، وإذا سأل على القرآن فلا تعطوه".

ونحن اليوم أولى أن نحقق الوجه الحضاري للإسلام الناصع، في زمن يتشدق فيه العالم بالنظام والحضارة، فلا نرضى أن نكون في ذيل القافلة، وأن نتهم بالسذاجة والبداوة، وعندنا أساس القيم الرفيعة، ومنبع أصول الحضارة، فلم يأخذ غيرنا منا اللب، ونبقى نحن في ذيل القشور المتطاير.

٧٢ / ١٧٤