البرامج التعليمية و مشكلة غياب الانسجام بين المواد في معاهد العلوم الإسلامية لعبد الرحمن بابكر
الجزء ١ · صفحة ١٨… إن موضوع "الحاجة" في المنظومة التربوية هي أشبه شيء بـ"الحاجة" في الفكر الاقتصادي، باعتبارها متطورة ومتجددة ونسبية، تختلف باختلاف الأشخاص والظروف والمجتمعات، ومن خصائصها أيضا أنها غير قابلة للإشباع، فهي تطلب المزيد من حين لآخر، كلما تطوّر المجتمع تطوّرت حاجاته، وتعقّدت أكثر فأكثر، والعامل المحرّك لعامل التطور دائما هو الحاجة، فما كان ثانويا في وقت من الأوقات أصبح ضروريا في الظرف الراهن.
… وإذا عدنا إلى النظام التربوي وجدنا مسألة الحاجة بدورها المحرّك الأول لعملية التطور وإعادة النظر في المناهج والمقرّرات التعليمية، لأن الاكتشافات العلمية والبحوث التجريبية والدراسات التاريخية، والتغيرات الاجتماعية في السياسة والاقتصاد وعلم الإحصاء والتخطيط والعمران … وغيرها من المعارف، يستحيل أن تبقى مستقرّة وجامدة، فإن تصوّر عدم التغيير فيها وجمودها واستقرارها يعني ذلك انعدام الحياة وتوقفها.
… ويجب أن نعرف أيضا أن لكل مجتمع حاجات تختلف عن حاجات ومتطلبات غيره من المجتمعات؛ ما يمكن طرحه في هذا المجتمع لا يشترط سلامة طرحه في مجتمع آخر، لأن حاجات أي منهاج نابعة من التراث الحضاري والثقافي والإرث التاريخي لذلك المجتمع، بما في ذلك التراث العلمي للتشريع الإسلامي.
… فإن دولة شقيقة مثل السعودية أو المغرب أو تونس تختلف في طبيعتها ونمط معيشة أهلها، وتاريخها وعاداتها وثقافة أهلها وسياسة دولتها عن الجزائر، وبالتالي ما يمكن طرحه من مقررات ومناهج في دولة مثل السعودية أو سوريا أو الأردن أو تونس ليس من الضروري طرحه في الجزائر، لأننا إن فعلنا ذلك أحدثنا تشنجا واضطرابا في فكر الطالب، فنمدّه بحاجات لا تتماشى وبيئته ومحيطه، وبالتالي لا يتفاعل معها، اللهمّ إلا إذا حاولنا ذلك تكلّفا وتصنّعا، وبالتالي سنحدث شرخا واضطرابا في المجتمع، سواء على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد.