البعد السياسي للفقر وعلاجه
الجزء ١ · صفحة ٩أما في رومة منبع الشرائع والقوانين ، ووطن الفقهاء والأصوليين ، فقد كان الموسرون مستولين على العامة ، ومتميزين عنهم تميزاً يجعل العامة بإزائهم كالطائفة المنبوذة لدى الهنديين وما كانوا يرضخون لهم بصبابة إلا بعد أن ينال منهم الإعياء ، فيهجرون المدن ، ويقاطعون الجماعة مرغمين .
قال العلامة "ميشليه" في المملكة الرومانية من هذه الناحية:
كان الفقراء يزدادون كل يوم فقراً ، والأغنياء يزدادون غنى ، وكانوا يقولون : ليهلك الوطني ، وليمت جوعاً ، إذا لم يستطع أن يذهب إلى ساحات القتال .
فلمّا زالت الدولة الرومانية ، وقامت على أنقاضها الممالك الأوروبية ، ازدادت حالة الفقراء سوءاً فكانوا في جميع أصقاعها يباعون كالماشية مع أراضيهم"
هذا هو وضع الفقراء في تلك القرون المديدة ، وهذا هو موقف الأغنياء منهم ، فماذا صنعت الأديان لإصلاح وضع الفقراء ، وتقريب الشقة بينهم وبين الأغنياء ؟(1)
وقد نعمت الإنسانية بالإسلام ، دين الرحمة والأخلاق ، فأغنى فقراءها وراش ضعفاءها الذين آووا إلى كنفه فأراحهم في واحاته الوارفة الظليلة من معاناتهم تحت وهج مبادئ الظلم والاستبداد مما أرهقتهم به من الحرمان والجور، وكان ذلك في عهد النبوة الهادية والخلافة الراشدة، ولكن ما كادت تطوى صفحة ذلك العهد المشرق بحلول الملك العضوض والاستبداد الغاشم محل الحكم العادل والقيادة الراشدة، حتى عادت السياسة إلى سيرتها الأولى وانقلب الناس إلى ما كانوا عليه من مكابدة الظلم ومقاساة الحرمان. ويصور لنا ذلك الداعية الكبير السيد أبو الحسن الندوى حيث يقول في كتابه الفريد" ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين":
(1) د. يوسف القرضاوي : فقه الزكاة ، 1: 45- 74 ، ط. مؤسسة الرسالة.