البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

البعد السياسي للفقر وعلاجه

الجزء ١ · صفحة ٨

غير أن الوضع الذي كان عليه الفقراء عملياً كان سيئاً للغاية ، وكان نقطة سوداء في جبين الإنسانية ، ولم يتقيد المجتمع بما أوصى به الحكماء ، ونادى به العقلاء . وهذا باحث كبير ، يحدثنا عن هذا التاريخ الأسود منذ أقدم الحضارات ، تاريخ العلاقة بين الأغنياء الواجدين ، والفقراء المحرومين ، فيقول : "في أية أمة من الأمم أجال الباحث نظره وجد طبقتين من الناس لا ثالثة لهما : الطبقة الموسرة ، والطبقة المعسرة ، ووجد بإزاء هذا أمراً جديراً بالملاحظة ، وهو أن الطبقة الموسرة تتضخم إلى غير حد ، والطبقة المعسرة لا تفتأ تهزل حتى تلتصق بأديم الأرض ، معيية رازحة ، فيتداعى البناء الاجتماعي ، لوهن أساسه ، وقد لا يدري المترفون من أي النواحي خر عليهم السقف .

كانت مصر في عهدها القديم جنة الله في الأرض ، وكانت تنبت من الخيرات ما يكفي أضعاف أهلها عدداً ، ولكن الطبقة الفقيرة فيها كانت لا تجد ما تأكله ، لأن الطبقة الموسرة كانت لا تترك لهم شيئاً غير حثالة لا تسمن ولا تغني من جوع .

فلما أصابتها المجاعة على عهد الأسرة الثانية عشرة ، باع الفقراء أنفسهم للأغنياء ، وساموهم الخسف ، وأذاقوهم عذاب الهون .

وفي مملكة "بابل" كان الأمر على ما كان عليه في مصر ، لا حظ للفقراء من ثمرات بلادهم، مع أنها كانت تسامي بلاد الفراعنة نماء وخصوبةً وكانت تجري مجراها فارس . أما لدى الأغارقة (اليونان) الأقدمين فكان الأمر لا يعدو ما تقدم ، بل تروى عن بعض ممالكهم أمور تقشعر من هولها الجلود ، فقد كانوا يسوقون الفقراء بالسياط إلى أقذر الأعمال ، ويذبحونهم لأقل الهفوات ذبح الأغنام .

أما في إسبارطة من ممالكهم فقد كان الموسرون تركوا للمعسرين الأرض التي لا تصلح للإنبات فذاقوا ألوان الفاقة غير مرحومين .

وكان الأغنياء في أثينا يتحكمون في الفقراء إلى حد أنهم كانوا يبيعونهم بيع العبدان ، إذا لم يؤدوا لهم ما كانوا يفرضونه عليهم من الإتاوات .

٨ / ٧٠