أ 98-99 الحياء والغيرة بين التطبيق والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٦أن أحدا غمر أحدا بإحسانه، ثم وجد منه ما يسوؤه لكان ذلك بحسب فطرة الإنسان
جديرا بأن يبعث الحياء في نفس هذا الذي اطلع المنعم عليه بما لا يحمد منه
فإذن كيف مع هذا يجتزئ الإنسان على خالقه تبارك وتعالى ويفعل هذه الأفعال
المخالفة لأمره، ويتعدى حدوده، ويقدم طاعته على طاعة غيره ويشفق على نفسه من
غيره أكثر مما يشفق منه، ويتمنى أن لا يطلع أحدا غير الله تبارك وتعالى على
سوءته ومساوئه، ولا يبالي أن يكون الله تبارك وتعالى مطلعا عليها، فإذن هذا
أمر يدل على أن من صدر منه مثل ذلك ليس من الإيمان في شيء لأنه لم يقدر الله
حق قدره، كما بين الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحياء أن يحفظ
الإنسان رأسه وما وعاه وذلك بأن يقدس أفكاره وينزه خواطره أو كل ما لا يرضى
الله سبحانه وتعالى لأنه يكون معتقدا العقيدة الصحيحة العقيدة التي تصله
بربه، العقيدة التي تجعله واقفا عند حدود الله وأن لا يخطر بباله بجانب ذلك
أيضا شيء مما نهاه سبحانه وتعالى عنه، كما قيل في التقوى أن تزين سريرتك للحق
كما تزين علانيتك للخلق، فكذلك الحياء يقتضي أن يقدس الإنسان سريرته.
والرأس هو مجمع الحواس وفيه الدماغ الذي هو مركز التفكير ومركز الإحساس فإذن
حفظ الرأس معنى ذلك حفظ جميع التصرفات وجميع الأعمال، حتى تكون هذه الأعمال
كلها وفق أمر الله تبارك وتعالى، غير خارجة عن ما يقتضيه حكم الله كذلك حفظ
البطن وما حوى، على هذا الذي يستحي من الله يحفظ بطنه، بحيث لا يدفع إليه بأي
شيء كان، وإنما يحرص كل الحرص على أن يكون ما يسيغه حلقه إلى بطنه حلالا
طيبا، ليس فيه حرمة فمن لم يبالي بما يلج في جوفه لم يبال الله تبارك وتعالى
أن يقذف به في النار، لأن الذي يولجه في جوفه هو الذي يؤدي إلى نماء جسده وقد
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم( كل لحم نبت من سحت النار أولى
به)[5] وبجانب ذلك كله أيضا يذكر الموت والبلاء، لأن الله تبارك وتعالى توعده