الحقوق في الإسلام أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الحقوق في الاسلام لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٣٨

جاء الإسلام لينشئ أمة ويربيها ويعدها للقيادة الراشدة فلم يكن بد أن يحقق لهذه الأمة رشدها، ويرفع عنها الوصاية في حركات حياتها العملية والواقعية كي تدرب عليها في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبإشرافه، ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى، ويمنع تدريب الأمة عليها تدريباً عملياً واقعياً في أخطر الشؤون –كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة نهائياً وهي أمة ناشئة تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب، ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر وله كل هذه الخطورة- لو كان وجود محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعه الوحي من الله سبحانه وتعالى كافياً لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى، وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ظل الملابسات الخطيرة لنشأة الأمة المسلمة، ولكن وجود محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعه الوحي الإلهي ووقوع تلك الأحداث ووجود تلك الملابسات لم يلغ هذا الحق لأن الله سبحانه يعلم أنه لابد من مزاولته في أخطر الشؤون مهما تكن النتائج ومهما تكن الخسائر، ومهما يكن انقسام الصف، ومهما تكن التضحيات المريرة، مهما تكن الأخطار المحيطة، لأن هذه كلها جزئيات لا تقوم أمام إنشاء الأمة الراشدة المدربة بالفعل على الحياة المدركة لتبعات الرأي والعمل، الواعية لنتائج الرأي والعمل، ومن هنا جاء هذا الأمر الإلهي في هذا الوقت بالذات ﴿ فاعف واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ﴾ ليقر المبدأ في مواجهة أخطر الأخطار التي صاحبت استعماله، وليثبت هذا القرار هي حياة الأمة المسلمة أياً كانت الأخطار التي صاحبت التطبيق، وليسقط الحجة الواهية التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة، ولو كان هو انقسام الصف كما وقع في أحد والعدو على الأبواب، لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ، ووجود الأمة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق»)[128](.

٣٨ / ٧٣