الحوار بين الحضارات لبوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣1 – إنّ التّعدّد والتّنوّع الثقافي سنّة الكون وناموس ثابت ، فالحياة أساسها التّنوّع والتّعدّد ، كلّ من تحرّك في نشاطه وعمله على غير هذه القاعدة ، عاكس الفطرة فضلّ الطّريق وأخطأ المسيرة ، وعاش على هامش الحياة . فال الله تبارك وتعالى : " ومن آياته خلق السّموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لآيات للعالمين "(1) إنّ اختلاف الألسن يعني تعدّد القوميات ، واختلاف الألوان يعني تعدّد الأجناس البشريّة .
وقال تعالى : "… لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات…" (2) " وهذا يعني تعدّد الشّرائع والأديان ، وإذا كانت الحضارة تنشا من فكرة دينيّة ، وإذا كانت الحضارة مجموعة الظّواهر والمعطيات المنبثقة عن أمّة ما أو تصوّر ما ( فكرة دينيّة ) فإنّ الإيمان بتعدّد الشّرائع والأديان يفضي إلى الإيمان بتعدّد الحضارات . وإذا كان هذا الاختلاف والتّعدّد من آيات الله ، فإنّ الذي يسعى لإلغاء هذا التّعدّد يعدّ ساعيا إلى طمس آيات الله في الوجود ، بالشّكل الذي يهدّد الوجود الإنساني على سطح المعمورة ، ممّا يدفع بنا إلى التّأكيد على ضرورة المحافظة على تنوّع الهويّة الثّقافيّة لكونه يغني الحياة الإنسانيّة . واحترامه أصبح أمرا واجبا "لا إكراه في الدّين " (3) وجميع الأجناس متساوية ، وكلّ تراث مجتمعي يسهم في التّراث الإنساني." (4)
فالتّعدّدبّة الثّقافيّة مكسب كبير يجب على البشريّة أن تستثمرها في التّطوّر والتّقدّم والإثراء " وهي أفضل ضمانة لقدرة الإنسان على إبداء أجوبة مناسبة للتّحدّيات المختلفة ." (5) وهي صرورة عالميّة ؛ لأنّها تسهم في نموّ الفكر والقيم والمفهومات الإنسانيّة المشتركة . وتساعد على إغناء الحضارة الإنسانيّة ، باحتضانها لمختلف أنواع الإبداع والعطاء .