الحوار بين الحضارات لبوحجام
الجزء ١ · صفحة ٤2 – بما أنّ الإنسان هو محور التّنمية والتّطوّر ، وهو الذي صنع الحضارة بالتّعاون والاشتراك مع آخر وآخر عبر الحقب والأزمان فإنّ حوار الحضارات ، يجب أن ينظر إليه : " ضمن منظور النّسق الطّبيعي ، الذي تقتضيه سنّة الكون وناموس الاجتماع الإنساني . إذ لم يسجّل لنا تاريخ الإنسان قاطبة أنّ العالم استطاعت حضارة واحدة أن تتحكّم فيه وحدها . وإنّما نجد باستمرار حالات الأقطاب الحضاريّة المتعدّدة ، لا القطب الحضاري الواحد هي التي تتحكّم في شؤون العالم بأسره "(6) حتى ولو وجدنا اليوم من يعمل على فرض نموذج واحد ، وتقديم نظام موحّد ، يجهد نفسه لفرضه على النّاس كلّهم ، نقول له إنّك تحلم ، وتطلب أمنيّة مثاليّة ، وتنشد أمرا مستحيلا .
3 – إنّ الحوار تقليد ثقافيّ قديم ، وهو أسلوب مارسته كلّ الحضارات ، سواء من حيث التّأثّر بغيرها أو التّأثير فيها ، أم من حيث فتح النّقاش والمساءلة ، وإجراء لقاءات ، وعقد مجالس وتبادل وجهات النّظر في بعض المسائل التي تتطلّب معرفة ما عند الآخر : " ولعلّ أبلغ دليل على ذلك الحوار الحضاري الذي دار بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحيّة …وقد حاور النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قساوسة نجران ورهبانهم …وكتب إلى المقوقس والنّجاشي وهرقل…وتابع المسلمون هذا الحوار بالمشافهة والكتابة ، لايكادون يفترون عنه إلاّفي فترات الصّدام المؤسف بين أتباع الدّينين ، وأشدّها فترة الحروب الصّليبيّة ، ثم ّفترة الاستعمار الغربي . وفي العصر الحديث ، ومنذ أربعين عاما على وجه التّحديد تجدّد الحوار الإسلامي المسيحي ، وعقدت له لقاءات وندوات منظّمة في برمانا، والرّياض، والفاتيكان، وطرابلس الغرب، وجنيف، وباريس، وساليبورج، والقاهرة، وبيروت، وليجون، وتونس، وهونغ كونغ، وقرطبة ، والسّودان عام 1994م وغيرها ." (7)