الشباب ودوره في بناء المجتمع لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٥وما هو حقيقته إلا لحظات إذا ما قيس بمقياس الحقيقة فإن الإنسان يعرف أن هذا العمر الذي نحياه لا يتجاوز مدة قصيرة وإذا ما أمعن الإنسان فكرة في هذا العمر … لو أحداً قد قدر إليه لأن سوف يطول عمره … فماذا عسى أن يكون مقدار طوله لو كتب للإنسان أنه سوف يعيش مائة عام . وأين من يعيش مائة عام أن الشاب الذي لا يقاس عليه غيره . عليه أن يفكر فيما مضى وفيما قد من هذه المائة . فإن كلما عاش هو محسوب منها فإن كل من مضى له ثلثون لم يبص له إلا الستون .
وهكذا لنقدر أن هذا الإنسان في عمر العشرين ، ونجيل إليه أنه سيعيش المائة كلها فإذا لم يبقى له منها إلا ثمانون ولينتظر ثمانيين دورة من الدورات التي تجر بالإنسان وهي تتجلى إلى ما نظر إلى مناسبة دورية فإن الإنسان في تأمله في ذلك يرى أن هذه الدورات ما هي إلا لحظات كما يقول الشاعر المسلم أبو مسلم الرواح :- (1)(1)
على لحظات تنقص العمر مرها
تأجج أمال البقاء وتزيد
ولو أملاً أدركته لم تجد له وفاءً
ولم تصحبك منه عهود
ومع هذا فإن هذا العمر أيضاً لا يدري الإنسان متى يتصرف فقد يكون في ميعة شبابه وفي عمر زهرة حياته وفي حال اكتمال قوته يخيل إليه أن وراءه مسافة طويلة في درب هذه الحياة ولكن بين لحظةٍ وأخرى وهو غارقُُ في آماله ومنهمرة في ملذاته ومشتغل بحسابات هذا العمر يخدمه ريب المنون فيجتث هذه الآمال كلها .
… ودون مدارك الأمال رصدُُ
من الآجال منقطع الظنون
وهكذا الشباب فإن العمر إذ كان قصيراً فالشباب أقصر . إذ أن مرحلة الشباب في العمر هي مرحلة قصيرة جداً ، لو قدرنا أن الإنسان أنسأله في عمره حتى قضى هذه المرحلة بأسرها فإنه لا يكاد يغمض عينيه ويفتحهما إلا على انتهاء هذه المرحلة . ولذلك ينوح الناس شبابهم بعدما يتجاوزونه وكما يقول الشاعر التهامي :
(1) من قصيدته في رثاء قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش الجزائري أنظر ديوان أبو مسلم ص 321 .