الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٣1. أما القرآن الكريم؛ فإنه أقر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على ما اختلفوا فيه في قتالهم لبني النظير، حيث إن بعضهم رأى أن تستأصل نخيلهم من أجل قطع دابرهم، والبعض الآخر رأى أن تستبقى هذه النخيل لعلها تكون فيئاً للمسلمين، فنزل القرآن الكريم بتصويب الطائفتين يقول الله تعالى ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ الحشر:5.
2. كذلك وقع الاختلاف بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عندما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى بني قريظة وحثهم على الإسراع في هذا الذهاب، حتى إنه قال لهم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)(1) ، فظن بعضهم أن تصلى العصر في بني قريظة ولو تأخر الوقت ووصلوا إلى هناك في وقت العشاء، وذهب فريق آخر إلى أن المراد التعجيل في المسير، فلو حضرت صلاة العصر قبل ذلك عليهم أن يصلوها قبل فوات وقتها؛ لأن الصلاة كتاب موقوت، فعمل هؤلاء بما وقر في وجدانهم وانقدح في أذهانهم وكذا الآخرون، ولما عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر كل فريق منهم على ما فعلوا، فلم يعنف الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريظة، ولا الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إليهم ، فلم يقل لهم: خالفتم أمري أو إنما قصدت تعجيل مسيركم إلى بني قريظة، إنما أقر كلا الفريقين على اجتهاده، وفي هذا ما يدل على أن الاجتهاد في المسائل الفرعية الظنية سائغ بإقرار كل فريق على ما وصل إليه.
فلا ينبغي أبداً للداعية إلى الله سبحانه وتعالى أن يتخذ من مسائل الرأي سبباً للفرقة وقطع الحبال الواصلة ما بين الجانبين، بل عليه أن يعذر أخاه في ذلك، إن كان قد انقدح في ذهنه وترجح في قرارة نفسه رأي آخر.
أمثلة من اختلاف العلماء في الرأي
(1) البخاري (904)، مسلم (1770).