الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٤

والعلماء المجتهدون مختلفون في الكثير من المسائل، فربما ضيق هذا في رأيه على الناس ووسع الآخر، والذي يقلد عالماً من هؤلاء العلماء عليه أن يرجع إليه في هذه القضايا، ولكن لا يعني ذلك أن يحمل الناس على تقليده للعالم الذي يقلده، كما أن الذي يقلد العالم المترخص لا يحمل الناس على تقليده، فعلى كل واحد من المقلِدَين أن يرجع إلى مقلده ليأخذ رأيه ويعتمد عليه.

وقد وقع الخلاف بين الترخيص والتشديد في عهود الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

1. فنجد أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان متشدداً جداً، لا يفتي إلا بما هو أشد، وإن اطلع على أمر فعله الرسول صلى الله عليه وسلم يلتزم ذلك الأمر مهما كلفه، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم في دفعه من عرفة وقف بمكان هنالك ليقضي حاجته، وقيل له الصلاة يا رسول الله، فقال: (الصلاة أمامك)(1) ، فكان ابن عمر رضي الله عنهما عندما يصل إلى ذلك المكان وهو محرم بالحج يلتزم أن يقف هنالك ويريق البول كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.

2. بينما ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان من الذين يفتون بالرخص، فكان يترخص في الكثير من الأمور، فبعض الناس عمل برأي ابن عباس، وبعضهم عمل برأي ابن عمر، فلم يعنف أحد منهم الآخر، بل كانوا يعذر بعضهم بعضاً.

ونجد في علمائنا من نحا هذا المنحى في عصر واحد، منهم من يتشدد ومنهم من يكون رأيه بخلاف ذلك.

-فابن محبوب(2) رحمهما الله كان كابن عمر في تشدده، فلذلك يفتي بما هو أشد.

-وموسى بن علي رحمهما الله كان يفتي بالرخص.

(1) البخاري (139)، مسلم (1280).

(2) هو محمد بن محبوب بن الرحيل، من أكابر علماء عمان في عصره، آلت إليه الريادة العلمية في أيام الإمام الصلت بن مالك الخروصي في العقد الأول من القرن الثالث الهجري، ولابن محبوب أجوبة فقهية امتلأت بها كتب الفقه، وهو المعروف في الفقه الإباضي المشرقي بأبي عبدالله، توفي عام 260هـ في صحار.

١٤ / ١٩