الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣على أن هذه الدعوة لم تترك لأساليب الناس التي ربما كانت بإيحاء نزغات ونزعات، وإنما وجه الله سبحانه وتعالى إلى الأسلوب الأمثل، فقد قال الله تعالى خطاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ النحل:125، فترون أن الله سبحانه في مقام دعوة غير المسلمين إلى ملة الإسلام أمر أن تكون الدعوة بالحكمة وبالموعظة الحسنة، وبما يحقق الغاية المطلوبة، ثم إن الله سبحانه بين أنه يمكن أن يكون التأثير باللطف والرفق أبلغ بكثير من التأثير بخلاف ذلك، فقد قال سبحانه ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم - وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ فصلت:34-35، فعندما يدفع الإنسان السيئة بالتي هي أحسن ينسجم المدعو مع الداعي ويتفاعل معه تفاعلاً تاماً ويستجيب لهذه الدعوة، وقد بين سبحانه أن الدعوة بهذا الأسلوب الحسن تؤلف النافر وتقرب الشارد وتدني البعيد، حتى يكون الخصم اللدود كأنه ولي حميم.
والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب للناس أروع الأمثال في ذلك، فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان مثالاً في الدعوة بالتي هي أحسن والتأثير على الناس بالتلطف والترفق بهم، فقد كان بذلك يتألف النافر ويقرب الشارد ويدني البعيد، ولذلك تأثر أولئك الذين كانوا على قسوة وغلظة، حتى أنهم تسابقوا إلى اعتناق الدين الحق والتفاعل مع دعوته صلى الله عليه وسلم، فكم من رجل كان شديد الخصومة للرسول صلى الله عليه وسلم ولدعوته، ولكن بحسن التلطف والكلمة الهادئة الهادفة التي كانت تنطلق من لسان الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكمة والموعظة الحسنة أثرت على أولئك تأثيراً بالغاً فتفاعلوا مع هذه الدعوة، وصاروا من أنصارها والمتحمسين للقيام بها.