الفتاة ومشاكل الحياة لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤٥أما الصورة التي تكون أخف من هذه التجربة فهي إتاحة اللقاءات المتكررة بين الفتى والفتاة بمحضر أسرتيهما أو أسرة أحدهما في زيارات مفتعلة لهذا، وقد تترك لهما خلوة قصيرة ينفردان فيها ليتحدثا عن همسات الحب ولواعج القلب، وقد ينال منها أو تنال منه في هذه الخلوة أشياء لا تبلغ أن تكون جريمة. ولا تقل عن كونها معصية ، وقد فتن بعض الناس بهذه الصورة وحسبوها حلا وسطا وزعموا أنها لا تتنافى مع الإسلام، وجروا للاستدلال على آرائهم هذه أحاديث شريفة يحملونها مالا تحمله، ويسوقونها لما لا تساق له، وقبل الحكم بأن هذا يجوز أو لا يجوز نريد أن نستعرض حقيقة المعرفة التي تحصل للخطيبين من هذه الزيارة، فهل يستطيع الفتى أو الفتاة أن يعرف أخلاق الآخر في زيارات رسمية يحضرها أفراد الأسرتين أو بعضهم، أو في خلوة مختلسة تتأجج فيها عواطفهما ويتوق كل منهما إلى أن يسمع همسة الحب من صاحبه أو يختطف منه ما يتيسر خطفه. وقد غاب في الحالة الأولى الطبع وحل محله التكلف، وغاب في الحالة الثانية العقل وحل محله العاطفة، فما مقدار هذه المعرفة؟ وما قيمتها؟ ثم إن تلك التجربة سواء كانت التجربة الكاملة كالصورة الأولى أو التجربة المقيدة كالصورة الثانية، لا يكون فيها شيء أبدا غير أن يتكلف الراغب منهما في الارتباط أنواع السلوك الذي يرضي الطرف الثاني حتى تتم عملية الارتباط الزوجي، ثم يظهر الطبع وتتغلب السجية ويذوب التكلف وهكذا لا يستفيد الفتى أو الفتاة من التجربة الشخصية نوع أول أو نوع ثاني أية معرفة حقيقية بأخلاق صاحب الثانية، ومآل تلك المسرحية كلها إلى الفشل ، ويبقى نفس السؤال قائما: كيف يتزوج إنسان بشخص لا يعرف حقيقة أخلاقه؟