الفتاة ومشاكل الحياة لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٥٣إن العمل مهما كان- ما لم يناقض الدين والخلق- شريف، ومزاولة الرجل والمرأة لأي عمل ما لم يناقض الدين والخلق الكريم، حق له أو لها، وقد يكون في بعض الأحيان واجبا عليه أو عليها، والأعمال في جوهرها ليس فيها عمل أشرف من عمل. فعمل الموظف في نفسه ليس أشرف من عمل المباشر الذي يقدم له المساعدات، ورئيس المصلحة الذي يدير أعمالها ليس أشرف بعمله من العامل الذي يفتح له الباب وينفض الغبار عن مكتبه، وحقيقة الشرف إنما هي في نفس الشخص، في أخلاقه وفي معاملاته وفي سلوكه، وبالجملة في دينه، عن العامل الذي ينظف طرق المدينة ، والحارس الذي يحرس الدوائر الحكومية ويقوم بإعدادها لصلاحية العمل، والموظف القابع على كرسي ينجز الأعمال، ومدير المصلحة الذي يفكر ويخطط لإنجاز مهمات مرفق من مرافق الحياة، والتاجر الذي يدير الحياة الاقتصادية للمدينة أو البلدة، والمدرس الذي يتولى إعداد جيل من أبناء الأمة، والطبيب الذي يعمل بهمة لتخفيف الآلام البشرية، والشرطي الذي يسهر لحفظ الأمن، وغير هؤلاء من طوائف الناس الذين يتولون أعمالا تشتبك بها مصلحة الأمة. ليس واحد في هؤلاء أشرف من الآخرين بسبب المهنة أو الوظيفة المجردة ، وهذه الأعمال كلها شريفة برتبة واحدة ما دامت تتوقف عليها مصلحة الدولة والأمة من جهة، ومصلحة الأسرة التي يمونها القائم بالعمل من جهة أخرى، وكما أن هذه المهن باعتبارها حرفا يزاولها الناس ليس بعضها أشرف من بعض بالنظر إلى العمل نفسه، كذلك ليس بعضها أشرف من بعض بالنظر إلى الأجور المستحقة على أدائها، أو المكاسب المادية المتحصلة عليها، فليست كثرة المال داخلة في حساب الشرف أبدا، وليس الغني باعتباره غنيا أشرف من الفقير باعتباره فقيرا أبدا، ولكن الواحد منهم يكون أشرف من الثاني بما يتحلى به من فضائل الأخلاق، كالصدق في المعاملة والإخلاص في العمل والحرص على أداء الواجب وبذل المجهول في إتقانه ومحبة من يستحق الحب من الناس.