الفكر بين الحتمية والضرورة
الجزء ١ · صفحة ١٢وهذه الهداية وهي هداية البيان يقول بعض العلماء من المتقدمين والمتأخرين إنها لا تنحصر في الانسان، فقد تكون هذه الهداية في غير الانسان، تكون في الحيوان كما تكون في الانسان واستدل بذلك بالمشاهدات التي نشاهدها،بل استدلوا- لأن قائل ذلك ليس واحدا- استدلوا بذلك بما نشاهده في طبائع الحيوانات فإن هذه الحيوانات جعل الله تبارك وتعالى فيها هداية فطرية، فندرك أن الشاة تنفر من المخوفات تنفر من الذئب، وتنفر من النمر، بل قيل لي أن الأغنام عندما تحس برائحة الذئب تهرب على الفور وقد تكون الشاة لم تر ذئبا قط، ومن غرائب ما سمعت حدثني أحد من الناس أن أحد القناصة وجد في بعض جبال عمان نمرا فاصطاد النمر وبعد ما اصطاده انتزع جلده بطريقة غريبة بحيث بقيت صورته كما هي، أخرج اللحم والعظم منه، وأبقى الجلد ثم حشا هذا الجلد بتبن، وبقي الجلد في طبيعته عندما يراه الرائي يحسب أن النمر كما هو في الحياة فأُوقف على حالته كأنما هو حي وإذا بزريبة من الأغنام تأتي وما كادت تقع أبصارها على هذا المشهد حتى نفرت مع أنه من المعلوم قطعا أنها لم تر قط نمرا، ولكن الله تبارك وتعالى يلهمها ذلك، وهذا يدل على أن الهداية الإلهامية في الحيوانات هي أقوى منها في الإنسان من هذه الناحية.
فإن الإنسان لا يعرف الحيوان الذي يضره والذي لا يضره بطبعه حتى يجربه أو يُخْبَرَ عنه بينما الحيوان يدرك ذلك بسرعة، ثم إن الحيوان أيضا عندما يولد المولود يلهم بمشيئة الله أن يلتهم ثدي أمه من غير أن يرشد بينما الطفل في الانسان يبقى عاجزا لا يستطيع أن يلتهم ثدي أمه حتى تقربه الأم إليه،هذا يدل على أن هذه الهداية موجودة.
هداية الحواس