المجالس الرمضانية لبدر العبري
الجزء ١ · صفحة ١٥- الجنة والتقوى وحدة في المعنى وتعدد في المبنى - وقفات على معاني الجنة
الصوم جنة
إنها كلمة أطلقها من أوتي جوامع الكلم .. ومن اختُصرت له الحكمة اختصاراً صلى الله عليه وسلم.
ومعنى (جُنة): ـ بضم الجيم ـ وقاية .. وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم تشريعاً تعبيريا كما كان تشريعا تعبدياً، ومن التشريعات التعبيرية التي ظهر أثرها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم الجُنَّة .. والتي هي في معنى التقوى ..
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: (183) وفي طوايا هذه الكلمة ميادين فسيحة، يسبح في أفياءها ذوو الاختصاص في تخصصاتهم!
ففي ميدان المتصلين بالله يرون أن الصوم فرصة سانحة لفك أغلال النفس من الأغيار .. وهذا نوع من التقوى تَهدي إليه الآية الكريمة في آخرها .. فقد تجد المأكولاتِ في نهار الصوم مشرعة والمياهَ الباردة في الهاجرة تناغي الكبد الظمأى .. وكل ذلك والمؤمن الخاضع لله دون ما سواه يسمو بإيمانه على هذه النداءات الأرضية ليصيخ السمع إلى النداء الملكوتي، وإنما يجيب تلك النداءات الأرضية من وقع تحت إسار الشهوات فظلت تتشاكس فيه .. فهذا مثل الواقع في قبضة الشهوات، ومثل المتحرر في عبويته لخالق الأرض والسموات …
وفي لغة الأطباء يظهر الصوم من بين الأشهر كعلبة أقراص دوائية بعدد أيام الشهر تعمل على تقوية المعدة .. وتنقية الدم .. وإعادة بناء أنسجة الجسم!