المجالس الرمضانية لبدر العبري
الجزء ١ · صفحة ١٦وفي لغة أهل التزكية يظهر الصوم في صورة لجام يُلجم الجوارح من أن تجمح .. فيعمِدُ إلى اللسان فيعقلَه إلا من القول الحسن .. وإلى اليدين فيقيدَهما إلا من الإحسان في العطاء، وإلى العينين فيَحْجُبَهما عن ما يشين .. وإلى الأذنين فيضربَ عليهما فلا يسمع صاحبهما إلا صوت الحق .. وفي تتمة هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفَث ولا يجهل وإن أحد قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ".
ومعنى (لا يرفث) لا يُفحش في الكلام .. ومعنى (لا يجهل) لا يفعل فعل الجهال من الصياح والسخرية والسفة .. ومعنى (قاتله) نازعه ودافعه، ومعنى (شاتمه) أي شتمه.
وفي لسان القانتين يظهر لهم الصوم نافضا عن النفس الكسلى غبار الدعة .. وباعثاً للهمم القاعدة من سباتها .. وهذا المعنى كفيل أن يعم خيرُه سائر الشهور إذا أُخذ منه بحظ وافر في هذا الشهر الكريم .. والقانتون هم الذين قال الله فيهم ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ الزمر: (9).
فقليل منا من يعرف من دهره ساعات السحر، ونسْمات الفجر إلا في ليالي رمضان!
فهو في حقيقته إطراح للكسل .. وشد للمئزر للقيام بجلائل الأعمال .. ولا يخفى الربط الوثيق بين مشروعية الصيام وحدوث غزوة الفرقان والفتح الأعظم .. وبين هذا المعنى الكبير فما للناس والكسل في شهر الجد والعمل؟؟
والصوم جُنة من الأثرة .. وذلك لما يهيئه هذا الشهر من الإنفاق فيه والبذل في أيامه .. فعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس .. وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن .. فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة ".