المجالس الرمضانية لبدر العبري
الجزء ١ · صفحة ٢٧مما يقاس به تقدّم الأمم والشعوب هو مقدار ما للقراءة من قيمة لديها، فالأمم المتقدمة هي الأكثر قراءة في كلّ عصر، فمِنْ سنّ القلم يصنع مجد الأمم، وكلّما فتحنا صفحة في كتاب اقتربنا من المجد والسؤدد، وأضأنا مصباحاً في ظلمة الجهل، وهي رحلة لا تنتهي إلا بنهاية الإنسان، ولا مجال للفخر بكثرة ما يقرأ، لأنّ زيادة القراءة إنْ هي إلا زيادة في اكتشاف ما نجهل، كما قال الشاعر:
وإذا ما ازددت علماً … زادني علماً بجهلي
إخوة الإيمان:
إن القراءة المثمرة تستحق منا التخطيط والتفكير والمثابرة والعناء، لأنها من أهم العوامل التي تعيد صياغة وجودنا من جديد!.
وإذا تساءلنا: لماذا نقرأ؟
ذلك لأنّ الإنسان متسائل بالفطرة تواق إلى اكتشاف المجهول بالطبيعة.
فقد تكون القراءة من أجل توسيع قاعدة الفهم، أو من أجل الحصول على معلومات حول موضوع ما، أو للتسلية أو تلبية لتطور مهني.
وعلى أيّ حالٍ فالقراءة هي التي تكسب الإنسان الكرامة بنص الكتاب العزيز: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم".
وهي توجه الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما توجه، وفي أول خطوة من خطواته في طريق الدعوة التي اختير لها. . توجهه إلى أن يقرأ باسم الله: ﴿اقرأ باسم ربك﴾. .
وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء: ﴿الذي خلق﴾.
ثم تخصص: خلق الإنسان ومبدأه: ﴿خلق الإنسان من علق﴾. . من تلك النقطة العالقة بالرحم، من ذلك المنشأ الصغير، فتدل على كرم الخالق، فوق ما تدل على قدرته، إذ من كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يُعلّم فيتعلم: ﴿اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم﴾.