المجالس الرمضانية لبدر العبري
الجزء ١ · صفحة ٥٠الاعتكاف مشتق من عكف، من لزم الشيء وأقام ولبث، كما حكا الله عن إبراهيم عليه السلام أنه قال لقومه ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52] أي ملازمين لها مستديرين حولها، وهو في الشرع حبس النفس في المسجد بنية العبادة بصفة مخصوصة.
والأصل في مشروعيته قول الله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة187].
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "من اعتكف فليعتكف في العشر الأواخر"، وقالت عائشة ـ رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده".
واعلم أخي أن الله سبحانه شرع الاعتكاف للتفرغ للعبادة، والانقطاع عن العوائق والشواغل والحرف والأعمال الدنيوية والشهوات والملهيات، والإقبال بالكلية على الله تعالى، بحيث ينشغل بالقربات كقراءة القرآن والذكر والتهجد، وقد فرغ قلبه من هموم الدنيا وغمومها وأحزانها، واهتم بالطاعات والانكباب على فعل الحسنات، والبعد عن السيئات، فالمعتكف من عكف قلبه على عبادة ربه، وانقطع عن الدنيا وأهلها، فهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية لهذه الأمة، ولا يكون إلا في المساجد ليحافظ على الجمعات والجماعة.
وأقسامه قد يكون واجبا كما في حالة النذر للحديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، ويكون مستحبا في شهر رمضان للحديث السابق التماسا لليلة القدر، ولأن رسول الله كان مواظبا عليه حتى لقي الله تعالى كما قالت السيدة عائشة في الحديث المتقدم، ويكون مباحا وجائزا لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب منكم أن يعتكف فليعتكف».