الواقعية والوحدة الإسلامية لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ٤٠وما أعظم سرور الأغنياء عندما يرون إخوانهم الفقراء ينعمون برغد العيش، ويرفلون في حلل النعيم، بما أجراه الله لهم على أيديهم من رزق فيما آتاهم الله من مال، فكانوا بذلك سبباً لسد حاجة إخوانهم بما يوصلهم إلى رضوان الله في الدار الآخرة، وما ينيلهم مودة الناس في الحياة الدنيا، وما أسعد أولئك الفقراء الذين يرون حاجاتهم تقضى، وخلتهم تسد على أيدي إخوانهم الذين استخلفهم الله في ماله، ووسع عليهم من رزقه من غير مَنٍّ ولا أذى، ولا تعالٍ ولا استكبار، ومن غير أن يشعروا بذل أو صَغار.
… إن مجتمعاً هذا شأنه حقيق بأن يسوده التواؤم بين أفراده، والتلاحم بين طبقاته، وأن أمة هذه مبادئها لجديرة بأن تسود العالم وأن تقود الإنسانية، وأن تكون رسالتها رحمة للعالمين)(1) .
… وبالصوم يطمح الإنسان دائماً نحو السمو النفسي، ويطلب الرقي الروحي، ويسعى للتخلص من الأكدار المادية، ليعرج بروحه من عالم الماديات إلى عالم الروحانيات، ومن مصاف المردة إلى منازل البررة، حتى اتخذه الروحانيون -بمختلف أديانهم- معراجاً لهذا السمو، إلا أن تلك الأديان –ما خلا الإسلام- قد غالت فيه حتى انقطعوا عن نعم الدنيا، ونحلت أجسامهم حتى أصبحت أشباحاً لا تكاد ترى وهياكل تصطك عظامها، أرادوا أن يحيوا الأرواح فقتلوا الأرواح والأجساد، وتركوا الدنيا للماديين يعبثون بها كيف شاءوا، وهم فوق هذا عاشوا لذواتهم فقط منعزلين عن الجماعة.
… أما الإسلام فقد أنزل الصوم من عالم المثال الخيالي إلى عالم المثال الواقعي، فهو لأيام معدودة وعن أشياء محدودة، لا ترهق الجسد ولا تطمس شعلة الحركة والعطاء فيه، وجعله شعيرة جماعية تنشد الأمة فيها سبيل ألفتها ولحمة أخوتها.
(1) عوامل تقوية الوحدة الإسلامية، ص-22