الصبر
الجزء ١ · صفحة ١٥وفي مقام التسلية لعبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال له : " وما صبرك إلا بالله "، أنت تصبر ولكن هذا الصبر إنما هو بالله لأنك منيب إليه ومتوكل عليه ولأنك سالك طريقه الذي أمرك بسلوكه فصبرك به سبحانه وتعالى. ثم مع ذلك أمره أن لا يحزن " ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ". على أن التعرض للأذى ولو كانوا يبدو بادئ ذي بدء أذى يسيرا إلا أنه له وخز في النفس ومع هذا أُمر الإنسان أن يصبر، الله تبارك وتعالى يقول: " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم "، هكذا يبين لنا الله سبحانه وتعالى بأن الحسنة والسيئة لا يستويان، فمقابلة الإساءة بالحسنة مما يدعو العدو اللدود إلى أن ينقلب أحيانا إلى صديق حميم، فعندما يدفع الإنسان بالتي هي أحسن ويقابل الإساءة بالحسنة كثيرا ما تنقلب الموازين رأسا على عقب ويتحول الخصوم اللد إلى أصدقاء حميمين، ولكن هذا لمن؟ إنما هذه منزلة لا يصل إليها الإنسان إلا بالصبر " وما يلقاها إلا الذين صبروا "، هذه المنزلة لا يلقاها إلا الصابرون، عندما يصبر الإنسان على ما يجده من أذى وما يكابده من مشاق وما يتعرض له من وخز وطعن من قبل الآخرين الذين ينصحهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر فإن ذلك قد يحول مجرى حياة أولئك فتتحول معاملتهم من السوء إلى الحسن ومن الشر إلى الخير ومن النفور إلى الألفة، كل ذلك إنما هو ناتج عن الصبر الذي يصبره الإنسان في سبيل الله تعالى.
وهكذا كل المعاملات تحتاج إلى صبر، وكل شؤون هذه الحياة تحتاج إلى صبر، والحياة كلها جبلت على الأكدار فهي تحتاج إلى صبر كما يقول الشاعر التهامي في وصف طبيعة هذه الحياة، يقول:
حكم المنية في البرية جاري............ ما هذه الدنيا بدار قرار