تربية الأولاد في ظل الإسلام لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٣وحديثنا في هذه الليلة حديث مهم لأنه حديث ذو علاقة بالأجيال الناشئة ، ومن المعلوم قطعا أن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان موصولا كل فرد من أفراده بسائر بني جنسه . وجعل الله تعالى كل جيل من الأجيال ذا علاقة بالأجيال الأخرى لأن كل جيل من الأجيال إنما هو امتداد للجيل الذي قبله . فالناس وإن فنى أفرادهم فإن أجيالهم المتعاقبة على عادة هذه الأرض تبقى كل جيل منها آخذا بحجزه جيل الجيل الذي تقدمه ، ومستفيد من خبراته ، لأن الله تعالى خلق الإنسان مدنيا بطبعه ، وجعل كل جيل يعمل لا لمصلحته فحسب ، بل ولمصلحة الأجيال التي تليه إلى أن يرث هذا الكون مكونه، وتنطوي صفحة هذا الوجود بأمر الله لينشر من جديد من أجل أن يلقى كل أحد جزاء ما قدم في هذا الدار . وبما أن هذه الأجيال موصول بعضها ببعض فإن على كل جيل منها أن يعنى بالجيل الذي يليه لأنه يتحمل أمانته ، ويطلع بتبعته ، ويكون موصولا يه ، فبقدر ما يقوم هذا الجيل من تربية حسنة للجيل الذي يأتي من بعده يكونوا قد أصلحوا ذلك الجيل . على أن من شأن الإنسان أن ينظر إلى الناشئة نظرة خاصة لأن المستقبل إنما ينظر إليه بمنظار هذه الناشئة . فبقدر ما تكون هذه الناشئة(1) بخلاف ذلك ينظر إلى المستقبل نظرة تشاؤم . ثم من ناحية أخرى فإن الإنسان يرى وجوده في وجود ذريته لأن الذرية إنما هي امتداد لصاحبها . فعمر الإنسان في هذه الحياة عمر قصير محدود جدا ولكن يبقى وجوده بوجود ذريته . ويحرص كل الحرص على أن يكون كل فرد من أفراد ذريته يمثل الاستقامة ويمثل الخير والصلاح . بل نجد الإنسان كثيرا ما يكون حرص على استقامة ذريته من حرصه على استقامة نفسه . فمن هنا كان الواجب على كل فرد من الأفراد أن يحاول استصلاح ذريته بالتربية الحسنة وبقدر ما يحرص على استصلاح ذريته ، يجب عليه أيضا أن يحرص على ذرية غيره فإن المجتمع متداخل .
(1) الناشئة : الشباب الناشىء والأولاد الصغار